لم تكن الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية التي سقطت قرب دبي وأبوظبي مجرد حدث عسكري عابر، بل كشفت سريعًا عن تصدعٍ في واحدة من أهم الركائز التي بنت عليها الإمارات مكانتها الاقتصادية خلال العقد الأخير: صورة “الملاذ الآمن” لرؤوس الأموال العالمية. فبعد أيام قليلة من الهجمات، بدأت تظهر مؤشرات أولية على تحرك صامت بين بعض الأثرياء الآسيويين لنقل جزء من أصولهم المالية خارج دبي، في خطوة تعكس تصاعد القلق من تداعيات الحرب الأمريكية–الإسرائيلية ضد إيران.

وبحسب روايات نقلتها مصادر مصرفية ومستشارون ماليون، حاول اثنان من رجال الأعمال الهنود المقيمين في دبي تحويل أكثر من 100 ألف دولار لكل منهما من حساباتهما المصرفية المحلية إلى سنغافورة، كإجراء احترازي في ظل حالة التوتر المتصاعدة. غير أن الأعطال التقنية التي حدثت في أعقاب الهجمات عطلت العملية مؤقتًا، قبل أن ينجح أحدهما لاحقًا في تحويل الأموال عبر بنك آخر داخل الإمارات.

هذه الحادثة الفردية سرعان ما تحولت إلى مؤشر على اتجاه أوسع، إذ أكد محامون ومستشارون متخصصون في إدارة الثروات أن عشرات المستثمرين الآسيويين بدأوا بالفعل الاستفسار عن نقل أصولهم من دبي إلى مراكز مالية أكثر استقرارًا مثل سنغافورة وهونغ كونغ.

دبي بين جاذبية الضرائب ومخاطر الجغرافيا

خلال السنوات الماضية، نجحت دبي في جذب موجة ضخمة من رؤوس الأموال الآسيوية، خصوصًا من الصين والهند، مستفيدة من مزيج من العوامل المغرية: الضرائب المنخفضة، والبيئة التنظيمية المرنة، وسهولة تأسيس الشركات، إضافة إلى قطاع عقاري سريع النمو.

وقد ساهمت هذه العوامل في تحويل الإمارة إلى مركز عالمي لإدارة الثروات، حيث انتقلت إليها أعداد متزايدة من العائلات الثرية والمكاتب العائلية لإدارة الأصول.

لكن هذه الجاذبية الاقتصادية اصطدمت الآن بحقيقة جغرافية لا يمكن تجاوزها: موقع الإمارات في قلب منطقة تعيش على إيقاع التوترات العسكرية. ومع توسع الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، بدأ بعض المستثمرين يعيدون تقييم المخاطر المرتبطة بوجود أموالهم في الخليج.

وقال محامٍ متخصص في إدارة الثروات في سنغافورة إن نحو ثلث عملائه المقيمين في دبي تواصلوا معه خلال الأيام الأخيرة لبحث إمكانية نقل أصولهم. وأضاف أن ثلاثة منهم، ممن يمتلك كل واحد منهم ثروة تقارب خمسين مليون دولار، يخططون بالفعل لنقل أموالهم فورًا إلى سنغافورة.

وتعكس هذه الخطوات قلقًا يتجاوز مجرد الهجمات العسكرية المباشرة، ليصل إلى عامل أكثر حساسية بالنسبة للمستثمرين: الثقة طويلة المدى في استقرار البيئة المالية.

سنغافورة وهونغ كونغ… البديل الآسيوي

مع تصاعد المخاوف، بدأت سنغافورة وهونغ كونغ تبرز مجددًا كخيار مفضل لدى العديد من المستثمرين الآسيويين. فهاتان المدينتان تتمتعان بتاريخ طويل كمراكز مالية عالمية، إضافة إلى استقرار سياسي نسبي وبنية مصرفية قوية.

وتشير بيانات شركات إدارة الثروات إلى أن ما بين عشرة وعشرين مكتبًا عائليًا تواصلوا هذا الأسبوع مع شركات استشارية في سنغافورة لبحث إمكانية نقل أصولهم من الشرق الأوسط.

وقالت مديرة في شركة عالمية لخدمات الشركات والصناديق إن المستثمرين كانوا في السابق يركزون بشكل أساسي على المزايا الضريبية التي توفرها دبي، لكن الحرب الجارية غيّرت ترتيب الأولويات. فالأولوية الآن، بحسب قولها، أصبحت حماية رأس المال وضمان استقراره بعيدًا عن مناطق النزاع.

كما أكد مستشار إدارة ثروات في سنغافورة أنه تحدث حتى الآن مع 13 عميلًا مقيمًا في الإمارات، وأن أكثر من نصفهم يدرسون بجدية نقل أصولهم. وأضاف أن القضية لا تتعلق فقط بالمخاطر العسكرية، بل أيضًا بقدرة المستثمرين على السفر وإدارة أعمالهم في حال استمر الصراع لفترة طويلة.

الانحياز لإسرائيل… عامل قلق إضافي

لكن العامل الجيوسياسي الذي يثير أكبر قدر من القلق لدى بعض المستثمرين هو الانطباع المتزايد بأن الإمارات باتت أقرب سياسيًا وأمنيًا إلى إسرائيل في خضم الحرب الحالية.

فمنذ توقيع اتفاقيات التطبيع قبل سنوات، تعززت العلاقات الاقتصادية والأمنية بين أبوظبي وتل أبيب بشكل كبير، وهو ما جعل بعض المستثمرين ينظرون إلى الإمارات باعتبارها جزءًا من معادلة الصراع الدائر في المنطقة.

وفي ظل التصعيد العسكري الأخير، يرى بعض المراقبين أن هذا التقارب قد يحول الإمارات إلى هدف محتمل في أي مواجهة إقليمية واسعة، الأمر الذي يضع سمعة البلاد كمركز مالي محايد تحت الاختبار.

هذا القلق لا يقتصر على الأفراد، بل يمتد إلى المؤسسات الاستثمارية الكبرى التي تراقب التطورات السياسية والعسكرية عن كثب قبل اتخاذ قرارات طويلة الأجل بشأن توزيع الأصول.

الإمارات تقلل المخاوف وتؤكد قوة اقتصادها

في المقابل، تحاول السلطات الإماراتية احتواء هذه المخاوف والتأكيد على متانة النظام المالي في البلاد. فقد شدد محافظ المصرف المركزي على أن القطاع المصرفي يتمتع بدرجة عالية من الاستقرار، وأن الخدمات المالية مستمرة بشكل طبيعي دون أي اضطرابات.

كما يرى بعض مديري الثروات في دبي أن الحديث عن “هروب جماعي لرؤوس الأموال” ما يزال مبالغًا فيه، مؤكدين أن العديد من المستثمرين يتبعون نهج الانتظار والترقب بدل اتخاذ قرارات سريعة.

وأشار أحد مديري شركات إدارة الثروات إلى أن المستثمرين العالميين عادة ما يمتلكون محافظ متنوعة أصلًا، وأن وجود جزء من الأصول في دبي لا يعني التخلي عن المدينة بسهولة، خصوصًا في ظل قصة النمو الاقتصادي التي ما تزال تجذب الكثير من المستثمرين.

اختبار حقيقي لمكانة دبي المالية

ومع ذلك، فإن التطورات الأخيرة تكشف عن حقيقة مهمة: مكانة دبي كمركز مالي عالمي ليست محصنة بالكامل من العواصف الجيوسياسية.

فالثروة العالمية، بطبيعتها، تتحرك بسرعة نحو المناطق الأكثر استقرارًا، وإذا ما استمرت الحرب أو اتسعت رقعتها، فقد تتحول الاستفسارات الأولية التي يجريها المستثمرون اليوم إلى موجة انتقال فعلية لرؤوس الأموال.

وفي عالم المال، قد تكون الثقة هي العملة الأكثر قيمة… وعندما تبدأ تلك الثقة في الاهتزاز، فإن إعادة بنائها قد تكون أصعب بكثير من فقدانها.

اقرأ أيضًا : تدفع ثمن التطبيع.. الإمارات تتصدر قائمة الاستهداف الإيراني بعد تورطها العميق في الحرب