في ظل ما يصفه الإسرائيليون اليوم بـ”التسونامي السياسي”، تتعرض حكومة بنيامين نتنياهو إلى واحدة من أعنف موجات النقد الداخلي والخارجي في آن واحد. فمع اعتراف عدد متزايد من الدول الغربية بالدولة الفلسطينية، يتأكد أن الاحتلال يعيش عزلة دولية متفاقمة، حتى من عواصم كانت قبل عامين فقط تعتبر من أبرز الداعمين له في مختلف الملفات. 

هذه التحولات تكشف أن “رؤية يحيى السنوار”، قائد حماس الذي طالما تحدث عن عزلة إسرائيل العالمية، قد بدأت تتحقق بالفعل، وأن الاحتلال بات منبوذاً على المسرح الدولي.

عزلة سياسية متنامية: من الدعم الغربي إلى الاعتراف بفلسطين

منذ اندلاع حرب غزة المستمرة منذ ما يقرب من عامين، أخذت صورة إسرائيل على المستوى الدولي في التدهور بشكل غير مسبوق. الاعترافات المتتالية بالدولة الفلسطينية، من قِبل دول أوروبية كبرى، تعكس أن المعركة لم تعد عسكرية فقط، بل سياسية ودبلوماسية أيضاً. فهذه الدول التي كانت تقف دوماً خلف إسرائيل في كل مواجهة، اختارت اليوم أن تعلن موقفاً مغايراً، في رسالة واضحة أن استمرار الحرب، وانتهاكات حقوق الإنسان، والسيطرة على الفلسطينيين، لم تعد مقبولة دولياً.

هذا التحول يضع حكومة نتنياهو أمام مأزق وجودي: فهي لا تواجه مجرد انتقادات عابرة، بل انعطافة استراتيجية في مواقف حلفاء تقليديين، ما يعني أن عزلة الاحتلال بلغت مستوى غير مسبوق قد يهدد مكانته الدولية لسنوات قادمة.

الأسباب الثلاثة للأزمة وفق تقديرات إسرائيلية

الجنرال غيورا إيلاند، الرئيس الأسبق لمجلس الأمن القومي الإسرائيلي، أوجز في مقاله المنشور بموقع “ويللا” ثلاثة عوامل مركزية وراء الورطة السياسية الراهنة:

  1. إطالة أمد الحرب في غزة:

    بحسب إيلاند، كان يمكن إنهاء الحرب منذ أكثر من ستة أشهر عبر صفقات تبادل أو وقف إطلاق نار، لكن حكومة نتنياهو رفضت كل المبادرات. وبذلك، بات يُنظر إليها عالمياً كحكومة تسعى للانتقام وإطالة النزاع لأغراض سياسية داخلية، لا لحماية أمن إسرائيل أو إعادة الأسرى.

  2. الاستخفاف بالمواقف الأوروبية:

    انتقد إيلاند بشدة تجاهل وزراء حكومة نتنياهو للمواقف الأوروبية، مذكراً بتجارب سابقة حين سعى شارون للتواصل مع العواصم الغربية قبل تنفيذ خطة فك الارتباط عام 2004. أما اليوم، فإن نهج الاستخفاف والازدراء جعل العواصم الأوروبية تميل أكثر إلى تبني سياسات عقابية، لا داعمة.

  3. الاحتلال كظاهرة فريدة في القرن الحادي والعشرين:

    مع بداية الألفية الثالثة، لم يبق سوى مثال واحد لشعب يحكم آخر بالقوة العسكرية، وهو الاحتلال الإسرائيلي للفلسطينيين. لذلك فإن الاعتراف الدولي بالدولة الفلسطينية بات يُستخدم كأداة لمعاقبة إسرائيل على استمرار الحرب والسيطرة، في خطوة تُظهر عجزها عن التكيف مع المتغيرات.

خيارات نتنياهو.. عقوبات أم تنازلات؟

أمام هذا المشهد، يلوّح نتنياهو بخطوات مضادة، أبرزها فرض عقوبات على دول أوروبية مثل بريطانيا وفرنسا، أو اتخاذ إجراءات أحادية في الضفة الغربية كالضمّ. لكن هذه الخيارات، وفق خبراء إسرائيليين، ستدفع الاحتلال نحو عزلة أعمق، وربما تصعيد غير مسبوق مع العالم.

الحل الوحيد المتاح –كما يشير إيلاند– يتمثل في إنهاء الحرب على غزة وفتح باب النقاش الجاد حول “اليوم التالي”، لكن حكومة نتنياهو تبدو متمسكة بالمسار المعاكس، وهو ما يفاقم الهوة مع المجتمع الدولي، ويدفع إسرائيل نحو “قطيعة وجودية” مع حلفائها.

مأزق التواصل والدبلوماسية الإسرائيلية

من الانتقادات الداخلية الأخرى الموجهة للحكومة، غياب الأصوات القادرة على عرض الموقف الإسرائيلي بلباقة في الساحات الغربية. فعدد الوزراء أو السفراء المؤهلين لتقديم رواية مقنعة للجمهور الغربي محدود للغاية. ويقترح بعض الاستراتيجيين أن تستعين الحكومة بخبراء ومؤرخين وصحفيين وعسكريين ودبلوماسيين متقاعدين، لإعادة بناء صورة إسرائيل في الخارج.

لكن على أرض الواقع، تُصرّ الحكومة على إطلاق تصريحات استفزازية وتحريضية، ما يبدد أي فرص لاحتواء الأزمة، ويُظهر الاحتلال في صورة الكيان المتغطرس والرافض للتعاطي مع المجتمع الدولي.

“رؤية السنوار” تتحقق.. إسرائيل منبوذة عالمياً

ما يجري اليوم يعكس بصورة جلية أن رؤية يحيى السنوار، الذي طالما أكد أن الاحتلال سينهار تحت ضغط العزلة الدولية، تتحقق خطوة بعد أخرى. فالمقاطعة لم تعد سياسية فقط، بل امتدت إلى مجالات الثقافة والرياضة والاقتصاد، حتى أن شركات كبرى ومؤسسات أكاديمية أخذت تنأى بنفسها عن التعاون مع إسرائيل.

هذا الواقع الجديد يُظهر أن نتنياهو لم ينجح فقط في تعميق الصدع داخل المجتمع الإسرائيلي، بل ساهم أيضاً في عزل كيانه عن العالم، ليصل إلى مرحلة “القطيعة الوجودية”، حيث لم يعد قادراً على الحفاظ حتى على أصدقائه التاريخيين.

خلاصة

تعيش إسرائيل اليوم لحظة مفصلية، عنوانها العزلة المتنامية، وفشل حكومة نتنياهو في احتواء التداعيات الدبلوماسية للحرب على غزة. ومع تسارع موجة الاعترافات بالدولة الفلسطينية، وتزايد المقاطعة في المجالات الاقتصادية والثقافية، يبدو أن الاحتلال يقف عند عتبة “خط اللاعودة”.

في ظل هذه التطورات، يثبت أن الخيارات العسكرية لا تكفي وحدها، وأن الاستمرار في سياسات التحدي والانتقام سيدفع إسرائيل إلى هاوية عزلة دولية، قد تكون الأخطر في تاريخها منذ قيامها، لتتحقق بالفعل رؤية خصومها بأن الاحتلال لن يجد مكاناً آمناً في عالم يزداد رفضاً لجرائمه.

اقرأ أيضًا : الاحتلال يخنق الرئة الوحيدة للضفة: معبر الكرامة من جسر عثماني إلى بوابة حصار