هاجم مسؤولون إسرائيليون رفيعو المستوى، بينهم وزير الخارجية جدعون ساعر وزعيم المعارضة يائير لابيد، مظاهرة شعبية حاشدة في مدينة سيدني الأسترالية نددت بالإبادة الجماعية التي تنفذها إسرائيل في قطاع غزة، ووصفتها تقارير حقوقية دولية بأنها “أسوأ كارثة إنسانية يشهدها القرن الحادي والعشرون”.
الهجوم الإسرائيلي على المتظاهرين لم يتوقف عند حد التشكيك في نواياهم، بل تجاوزه إلى إطلاق اتهامات باطلة وربطهم بتنظيمات إرهابية كـ”القاعدة” و”طالبان”، في محاولة مكشوفة لتشويه الحراك الشعبي المناصر لحقوق الإنسان، ضمن ما يبدو أنه سياسة ممنهجة لتكميم أفواه الغرب المتضامن مع القضية الفلسطينية.

مظاهرة سيدني.. صرخة حرة في وجه المجازر
رغم الأمطار الغزيرة، تظاهر أكثر من 90 ألف شخص في مدينة سيدني الأسترالية، الأحد، في واحدة من أكبر المظاهرات التي شهدتها البلاد خلال العام الجاري، للمطالبة بوقف العدوان الإسرائيلي على غزة. اجتمع المحتجون على جسر ميناء سيدني رافعين الأعلام الفلسطينية ومرددين شعارات مناهضة للاحتلال، ومطالبين الحكومة الأسترالية باتخاذ موقف واضح من المجازر في غزة، وصولًا إلى الاعتراف الرسمي بدولة فلسطين.
هذه المظاهرة لم تكن الأولى، لكنها كانت من الأوسع والأشد وقعًا على المستوى الإعلامي والسياسي في أستراليا والعالم، خصوصًا بعد أن أكدت هيئة الإذاعة الأسترالية “ABC” أن أعداد المشاركين فاقت التوقعات، وأنها تعكس تحولًا متسارعًا في الرأي العام الأسترالي إزاء جرائم الاحتلال، ولا سيما بعد تصاعد المجاعة والقصف العشوائي الذي طال الأطفال والنساء والبنية التحتية المدنية في القطاع المحاصر.
ردود إسرائيلية هستيرية تكشف مأزق الاحتلال في الغرب
أمام هذه المظاهرات الواسعة، سارع وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر إلى نشر تدوينة على منصة “إكس”، زاعمًا فيها أن المتظاهرين في سيدني يمثلون “تحالفًا مشوهًا بين اليسار الراديكالي والإسلام الأصولي”، وأن هذا التحالف “يجر الغرب إلى هامش التاريخ”. هذه العبارات، التي تحمل في طياتها تحريضًا أيديولوجيًا وعنصريًا، تعكس الضيق الإسرائيلي المتزايد من موجة التعاطف العالمي مع الفلسطينيين، وفشلها في تسويق روايتها عن “حق الدفاع عن النفس”.
وزاد من وقع الهجوم قيام ساعر بإرفاق منشوره بصورة لأحد المتظاهرين يحمل صورة المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي، في محاولة لتأطير الحراك الشعبي ضمن سردية الإرهاب والعداء للغرب، وهي خدعة تكررت سابقًا لتبرير القمع ولإسكات الرأي العام العالمي.
من جهته، لم يكن يائير لابيد، زعيم المعارضة الإسرائيلية، أقل تطرفًا، بل ذهب إلى حد الزعم بأن المتظاهرين “ساروا تحت رايات طالبان والقاعدة”، بل واتهمهم بأنهم يدعمون قتل أفراد مجتمع الميم، وضرب النساء، واغتصابهن، وخطف الأطفال! تصريحات كهذه لا تهدف إلى النقاش أو الرد، بل إلى تخوين وتحريض واضح، يُراد منه دفع الحكومات الغربية إلى تجريم حركات التضامن مع الفلسطينيين وتبرير القمع الأمني لها.
فضيحة الاحتلال الأخلاقية تتكشف في الغرب
الهجوم الإسرائيلي على مظاهرة سيدني هو أحدث حلقة في سلسلة من ردود الفعل المتوترة التي تكشف حجم الفضائح الأخلاقية التي يواجهها الاحتلال في الغرب. فمنذ بدء الإبادة الجماعية في غزة، خسر الاحتلال الإسرائيلي كثيرًا من تأييده التقليدي في العواصم الغربية، بعد أن باتت الجرائم موثقة بالصوت والصورة، وتناقلتها كبرى وكالات الأنباء والمنظمات الدولية، من صور الأطفال الذين يموتون جوعًا، إلى مقاطع القصف العشوائي للمستشفيات ومراكز الإغاثة.
وسائل إعلامية مرموقة مثل “الجارديان” و”نيويورك تايمز” و”لوموند” بدأت تتحدث صراحة عن جرائم حرب و”حملة تجويع ممنهجة”، بينما بدأت محاكم أوروبية ودولية تنظر في دعاوى ضد قادة الاحتلال. لم يعد بمقدور إسرائيل تسويق أكاذيبها بسهولة كما كانت تفعل سابقًا، ومع كل مظاهرة حاشدة في أوروبا أو أمريكا أو أستراليا، يتسع الحرج السياسي الذي يطاردها.
لكن بدلًا من مراجعة سياساتها أو الاستماع إلى نداءات الضمير العالمي، اختارت إسرائيل شن حملة تخوين ضد الشعوب الحرة، ومحاولة شيطنة الأصوات المناصرة للفلسطينيين. ويبدو أن العجز العسكري في غزة يقابله الآن عجز دبلوماسي وأخلاقي في العواصم الغربية.
خاتمة: حين تنقلب الطاولة على الاحتلال
ما حدث في سيدني، وما تبعه من ردود فعل إسرائيلية غاضبة، لا يعكس فقط حالة إنكار لدى النخبة السياسية في تل أبيب، بل يكشف عن فشل واضح في السيطرة على المشهد الإعلامي والسياسي في الغرب. لقد تحولت صور غزة من مجرد أخبار هامشية إلى قضية رأي عام تُشغل الشوارع وتحرج الحكومات، بل وتجبر بعض البرلمانات على مراجعة مواقفها.
وبينما تواصل إسرائيل ارتكاب المجازر وتجويع المحاصرين في القطاع، فإن الصوت العالمي الداعم لفلسطين يتعاظم، وهو ما يثير الذعر في أروقة الاحتلال ويجعله يطلق هجومًا هستيريًا على كل من يجرؤ على قول كلمة “لا” أمام جرائمه.
ما جرى في سيدني هو مؤشر على تحول عالمي يتسارع، وقد يفضي في نهاية المطاف إلى فضح الاحتلال، لا أمام الفلسطينيين والعرب فقط، بل أمام الضمير الإنساني كله.
اقرأ أيضًا : بريطانيا تواصل مطاردة “حركة فلسطين”: اتهام ناشط خامس بالإرهاب بعد اقتحام قاعدة عسكرية