في تحول لافت في الخطاب الإسرائيلي الرسمي، أقرّت صحيفة “إسرائيل اليوم” المقربة من دوائر صنع القرار في تل أبيب، نقلاً عن مسؤول إسرائيلي رفيع، بأن العمليات العسكرية في قطاع غزة باتت تتقدم “ببطء شديد”، نتيجة تخوفات ميدانية من كمائن المقاومة الفلسطينية، وعلى رأسها حركة حماس. 

هذا الاعتراف النادر يعكس هشاشة الاحتلال، ويؤشر إلى أن المعركة البرية في غزة تحوّلت إلى مستنقع متفجر، لا يمكن التنبؤ بمآلاته، خصوصًا في ظل استعدادات غير معلنة من قبل فصائل المقاومة، وتصاعد الضغوط السياسية على حكومة بنيامين نتنياهو من الداخل والخارج.

 

الاحتلال يراوح مكانه: القتال بطيء والتقدم محفوف بالمخاطر

بحسب ما أفادت به “إسرائيل اليوم”، فإن القوات الإسرائيلية النظامية، بما في ذلك ألوية المشاة والمدرعات، دخلت بالفعل إلى كامل مناطق قطاع غزة التي كانت محددة في الخطة العملياتية، وأُعلن عن اكتمال دخول “فرقة المظليين” خلال الـ24 ساعة الماضية. 

ومع ذلك، فإن وتيرة التقدم تُوصف بـ”البطيئة”، في إشارة واضحة إلى حالة الجمود العملياتي والتخوف من الفخاخ والمتفجرات التي يُعتقد أن حماس زرعتها مسبقًا استعدادًا لمعركة الاستنزاف الطويلة.

مصادر أمنية إسرائيلية تحدثت عن وجود استعدادات حثيثة من قبل حماس “لدخول القوات” الإسرائيلية، ما يعكس تغييرًا في تكتيكات المقاومة، حيث يبدو أن الفصائل الفلسطينية اختارت التمركز في مناطق محددة والاعتماد على الكمائن والتفجيرات الموجهة بدل المواجهة المباشرة، وهو ما أثبت نجاعته في المواجهات السابقة، لا سيما في رفح وخان يونس.

ومن اللافت أن الاحتلال اعترف بأنه سيحوّل تركيزه العسكري إلى منطقة خان يونس جنوب قطاع غزة، بغية تكرار السيناريو الذي نفذه مؤخرًا في مدينة رفح، في محاولة منه لاستعادة زمام المبادرة الميدانية، غير أن المقاومة في القطاع لم تُبدِ مؤشرات ضعف، بل على العكس، تُظهر تطورًا تكتيكيًا ملحوظًا، وفقًا لتحليلات أمنية غربية.

الورطة الإنسانية والعسكرية: فشل سياسي وتحديات ميدانية

رغم استنفار الآلة العسكرية الإسرائيلية، فإن المشهد السياسي الموازي لا يبدو أكثر نجاحًا. الوفد الإسرائيلي عاد من الدوحة دون أي اختراق في مفاوضات التهدئة مع حماس، في ظل استمرار الضغط الأميركي للدفع باتجاه “خطة ويتكوف” – وهي خطة جزئية لإطلاق سراح الرهائن مقابل تهدئة مؤقتة. 

لكن الجيش الإسرائيلي أعلن أنه سيمنح القيادة السياسية “المرونة الكاملة” لوقف القتال إن تطلب الأمر “اعتبارات سياسية”، في تلميح إلى إمكانية إخراج الجيش من الورطة الحالية مقابل إنجاز سياسي يُسوّق للداخل.

وعلى الصعيد الإنساني، اعترف الاحتلال أن بعض شاحنات المساعدات الـ388 التي دخلت غزة تم نهبها، لكنه حاول إلقاء المسؤولية على “الحشود الجائعة” وليس على حماس، رغم أنه يدرك أن حركة حماس لا تزال تحتفظ بقدر من السيطرة التنظيمية داخل القطاع، وخاصة في مناطق المخيمات والممرات الحدودية.

في هذا السياق، تحاول إسرائيل الترويج لمبادرات إنسانية عبر مركز توزيع جديد تديره شركة أميركية جنوب القطاع، مع بناء مرافق تخزين ضخمة للطعام. 

غير أن المخاوف الإسرائيلية تتركز على “نقاط التفتيش” التي تزعم أن حماس قد تقيمها عند مداخل المواصي، لتتولى عملية فرز المساعدات والتحكم بتوزيعها، ما يضعف أي مزاعم إسرائيلية عن “تحييد” حماس أو تقليص دورها في إدارة الشؤون المدنية داخل غزة.

أزمة عسكرية ومعنوية تكشف هشاشة الاحتلال

الخطاب الإسرائيلي الجديد، وإن جاء على لسان مصادر غير رسمية، يعكس حالة الإرباك والتخبط داخل مؤسسة صنع القرار السياسي والعسكري. 

فبين تصعيد العمليات في خان يونس، وتراجع الآمال بحسم سريع، وبين ضغط الإدارة الأميركية ومطالب الداخل الإسرائيلي، تبدو إسرائيل وكأنها تقف على حافة الانهيار المعنوي.

المعركة في غزة لم تعد مجرد حرب ضد فصيل مسلح، بل تحوّلت إلى اختبار شامل لقدرة إسرائيل على مواصلة القتال طويل الأمد، دون أن تنزف سياسيًا وأخلاقيًا. 

تصريحات الاعتراف بصعوبة التقدم الميداني، ووجود تحضيرات من حماس للكمائن، لا تعني فقط خللاً في الخطة، بل تُظهر أن المقاومة تمتلك زمام المبادرة من جديد.

إن هشاشة الاحتلال، التي حاول إخفاءها طويلًا خلف قبة الدعاية العسكرية، تتكشف يومًا بعد يوم، سواء في خسائر ميدانية غير معلنة، أو في فشل سياسي متكرر، أو في عجز إنساني عن التعامل مع كارثة غزة. 

ولعل الأهم، أن حماس، وبقية فصائل المقاومة، تُدير المعركة بعقلية استنزاف لا تهدف إلى النصر السريع، بل إلى إرهاق العدو وتفكيك قدرته على الاستمرار.

اقرأ أيضًا : ثلاثة صواريخ تفضح عجز الاحتلال: المقاومة في غزة تواصل الرد رغم المجازر