تتزايد التحذيرات الحقوقية والصحفية من اتساع نطاق الإستراتيجية التي تعتمدها دولة الإمارات القائمة على توظيف “المال السياسي” وتوسيع شبكات “النفوذ الناعم” لاستقطاب النخب الفكرية والإعلامية في المنطقة والعالم. وتأتي هذه التحركات الممنهجة بهدف التحكم بالرواية السائدة، وتوجيه الرأي العام بما يخدم السياسات الخارجية لأبوظبي، والتغطية على أدوارها المباشرة في تأجيج الصراعات الإقليمية؛ بدءاً من دعم ميليشيا الدعم السريع في السودان، وصولاً إلى التسويق لمشاريع التطبيع وإضعاف القضايا العربية المصيرية.
وتكشف التحليلات أن هذه المنظومة تعتمد على أدوات متعددة لتطويع الصحافة والفكر، وتحويلهما من رسالة نقدية مستقلة إلى أدوات موجهة لخدمة أجندات سياسية عابرة للحدود.
1. آليات الاستقطاب: التمويل المشروط والواجهات المؤسسية
تعتمد أبوظبي في بناء شبكات نفوذها الإعلامي والفطري على مجموعة من الأدوات المالية والمؤسسية المباشرة:
- العقود والامتيازات المالية: تقديم إقامات ذهبية، وعقود استشارية، ومكافآت سخية للمؤثرين والصحفيين، مما يفرض عليهم التزاماً غير معلن بالابتعاد عن التغطيات الناقدة للسياسات الإماراتية.
- فرض “السقف التحريري”: إلزام المنصات والمراكز الفكرية الممولة إماراتياً بمنهجية حظر صارمة تمنع التعرض لملفات السياسة الخارجية، لاسيما التواجد العسكري واللوجستي في السودان واليمن، مقابل استمرار شريان الدعم المالي.
- الجوائز والواجهات الثقافية: تنظيم منتديات ومؤتمرات سنوية تحت شعارات “التسامح والاعتدال”، تُوظّف لمنح النخب المستقطبة مساحات للتأثير وتلميع الرواية الرسمية أمام المحافل الدولية.
2. الأهداف الجيو-سياسية: تزييف الوعي وتمرير الأجندات
تتجاوز خطة الاستقطاب الإماراتي مجرد التواصل الثقافي، لتصل إلى تحقيق أهداف سياسية واستراتيجية على الأرض:
- التغطية على الانتهاكات الميدانية: تسخير الأبواق الإعلامية لإخفاء الدعم اللوجستي والعسكري المقدم للميليشيات المتمردة في السودان، مقابل تصوير التدخلات كـ “مبادرات إغاثية وإنسانية”.
- شرعنة التطبيع وشيطنة المقاومة: توظيف المنصات والنخب المستقطبة لإعادة تشكيل أولويات الشارع العربي، عبر ترويج خيار التطبيع مع الاحتلال الصهيوني، مقابل مهاجمة وشيطنة القوى المناهضة للمشروع الإسرائيلي.
- إيجاد “لوبيات ضغط” غاضة عن الحقائق: استقطاب سياسيين سابقين وإعلاميين في العواصم الغربية (واشنطن، بروكسل، ولندن) للقيام بأدوار ضغط تمنع فرض عقوبات أو ملاحقات قضائية على المسؤولين عن دعم الصراعات.
3. التداعيات وتراجع المصداقية: تآكل استقلالية الصحافة
تترك سياسة الشراء والاستقطاب آثاراً عميقة في المشهد الفكري والإعلامي، تتبدى في محاور رئيسية:
- افتقاد الموضوعية والنزاهة: تحول عدد غير قليل من المؤسسات الإعلامية والنخب إلى أدوات للدعاية، مما أفقد الصحافة العربية جزءاً كبيراً من استقلاليتها ومصداقيتها الشارع.
- انكشاف اللوبي وحالة الرفض: تصاعد الوعي الشعبي والحقوقي تجاه المنصات الموجهة، إلى جانب صدور تقارير أممية ودولية (مثل التقرير الأخير للبرلمان الأوروبي) يوثق الممارسات الإماراتية، مما وضع النخب المستقطبة في عزلة أخلاقية وسلبها تأثيرها الافتراضي.
- تكريس الانقسام الإقليمي: تسهم الشبكات الممولة في تغذية الخطابات القبلية والمناطقية داخل دول الأزمات، لإبقاء تلك المجتمعات ضعيفة ومفككة وسهلة الاختراق.
خلاصة القراءة:
تثبت المعطيات الميدانية أن محاولات احتكار الرواية عبر شراء الذمم بالمال السياسي واجهت حائط سد حقيقي أمام حجم الجرائم والانتهاكات الموثقة بالتقارير الأممية. وتكشف العزلة المتزايدة لمنظومة الدعاية الإماراتية أن الوعي الشعبي العربي والرقابة الحقوقية الدولية باتا يقفان بالمرصاد محاولات تزييف الحقائق، مما يجعل من الاستثمار في تكميم الصحافة وتطويع النخب رهاناً خاسراً يرتد على أصحابه.