في خطوة أثارت موجة واسعة من الجدل على منصات التواصل الاجتماعي، أقدمت الدبلوماسية الإماراتية هند العويس على حذف حسابها الرسمي من منصة “إكس”، بعد تصاعد الانتقادات المرتبطة بظهور اسمها في مئات الوثائق ضمن ملفات الممول الأمريكي جيفري إبستين. هذه الخطوة فتحت باب التكهنات حول ما إذا كانت العويس تواجه إقالة غير معلنة أو إعادة ترتيب داخلية لإبعادها عن الواجهة، في ظل حساسية الملف وانعكاساته السياسية والإعلامية.

حذف الحساب.. انسحاب أم محاولة لاحتواء الأزمة؟

جاء حذف حساب هند العويس في توقيت بالغ الحساسية، بعد تداول معلومات تشير إلى ورود اسمها في نحو 469 وثيقة ضمن الملفات التي أفرجت عنها وزارة العدل الأمريكية، والمتعلقة بشبكة علاقات جيفري إبستين. وقد اعتبر كثيرون هذه الخطوة محاولة واضحة للانسحاب من المشهد الرقمي وتخفيف الضغط الشعبي والإعلامي المتصاعد.

وخلال الأيام التي سبقت حذف الحساب، تعرضت العويس لحملة انتقادات حادة، خاصة بعد تداول مراسلات إلكترونية تظهر علاقة شخصية ومهنية وثيقة بينها وبين إبستين، تضمنت لقاءات متكررة، وتبادل رسائل ودية، ومناقشة ترتيبات مالية وقانونية. ومع تصاعد هذه الضغوط، بدا حذف الحساب وكأنه محاولة لإغلاق نافذة المساءلة العلنية، بدلًا من تقديم توضيحات شفافة للرأي العام.

إعادة تشكيل مجلس حقوق الإنسان.. هل هو إقصاء مقنّع؟

تزامن الجدل مع صدور قرار رسمي بإعادة تشكيل مجلس أمناء الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان في الإمارات، برئاسة سالم سهيل سعيد النيادي، ما دفع بعض الناشطين إلى الربط بين القرار وبين أزمة هند العويس، واعتبار الخطوة جزءًا من عملية “إخراج هادئ” لها من المشهد.

غير أن المعطيات القانونية تشير إلى أن العويس لم تكن عضوًا في مجلس الأمناء في التشكيل السابق أصلًا، وأن إعادة التشكيل جاءت بعد انتهاء الدورة القانونية الممتدة لأربع سنوات، وفقًا للقانون الاتحادي رقم 12 لسنة 2021. ورغم ذلك، فإن التوقيت يظل لافتًا، ويعزز الانطباع بأن المؤسسات الرسمية تسعى لإعادة ترتيب صورتها في لحظة سياسية وإعلامية حساسة.

المنصب الحالي.. نفوذ إداري رغم العاصفة

تشغل هند العويس حاليًا منصب مديرة اللجنة الدائمة لحقوق الإنسان في الإمارات، وهي جهة معنية بمتابعة ملفات حقوق الإنسان والتنسيق مع الهيئات والآليات الدولية. ويمنحها هذا الموقع دورًا محوريًا في صياغة الخطاب الحقوقي الرسمي للدولة، والتواصل مع المنظمات الدولية.

كما سبق للعويس أن عملت مستشارة في بعثة الإمارات لدى الأمم المتحدة في نيويورك، وتولت مناصب في هيئة الأمم المتحدة للمرأة، وكانت أول إماراتية تشغل منصب مستشار أول في مقر المنظمة الرئيسي. هذا المسار المهني جعل منها واجهة دبلوماسية بارزة، وواحدة من أهم الأصوات النسائية في تمثيل الدولة خارجيًا.

لكن الفضائح المرتبطة بملفات إبستين وضعت هذا الرصيد المهني في موضع مساءلة، وأثارت تساؤلات حول معايير الاختيار والتعيين داخل المؤسسات الإماراتية.

وثائق إبستين.. مراسلات محرجة وأسئلة بلا إجابات

تعود المراسلات التي ورد فيها اسم هند العويس إلى الفترة بين عامي 2010 و2012، عندما كانت تعمل مستشارة في بعثة الإمارات لدى الأمم المتحدة في نيويورك. وتُظهر الوثائق لقاءات متكررة في منزل إبستين، ومناقشات حول خدمات قانونية ومالية، ومشاريع مشتركة، إضافة إلى تبادل هدايا وعبارات شخصية.

ورغم عدم صدور أي اتهام قانوني مباشر بحق العويس حتى الآن، فإن طبيعة العلاقة المثبتة في الوثائق تطرح أسئلة أخلاقية وسياسية جدية، خصوصًا في ظل السمعة الإجرامية التي ارتبطت بإبستين وشبكاته العابرة للحدود.

الأخطر من ذلك أن هذه الوثائق تعيد فتح ملف العلاقات الخفية بين النخب السياسية والدبلوماسية الإماراتية وشخصيات مثيرة للجدل عالميًا، ما يعزز الاتهامات المتكررة باستخدام النفوذ والمال لتشكيل شبكات مصالح خارج الرقابة.

إدارة السمعة بدل المساءلة الحقيقية

تكشف قضية هند العويس مرة أخرى نمطًا متكررًا في تعامل السلطات الإماراتية مع الأزمات: التركيز على إدارة الصورة العامة بدل فتح تحقيقات شفافة ومستقلة. فبدل الخروج بتوضيحات رسمية مفصلة، أو إعلان مراجعة مؤسسية جادة، جرى الاكتفاء بالصمت، وحذف الحسابات، وإعادة ترتيب المشهد إداريًا.

هذا الأسلوب يعكس عقلية “احتواء الفضيحة” لا “محاسبة المسؤولين”، ويعزز قناعة متزايدة لدى المراقبين بأن الخطاب الحقوقي الإماراتي الموجّه للخارج لا يعكس واقع الممارسات الداخلية.

ما بعد الحذف.. مستقبل غامض ومساءلة مؤجلة

حتى الآن، لم يصدر أي إعلان رسمي بشأن إقالة هند العويس أو إعفائها من منصبها، ما يشير إلى أن الدولة لا تزال تفضل إدارة الملف بهدوء، دون اتخاذ خطوات علنية قد تفتح الباب أمام ضغوط دولية أوسع.

غير أن حذف الحساب، وتراجع الحضور الإعلامي، وتزامن الأزمة مع إعادة هيكلة مؤسسات حقوقية، كلها مؤشرات على أن موقع العويس لم يعد كما كان، وأنها دخلت مرحلة “التجميد الناعم” في انتظار انقضاء العاصفة.

في المحصلة، تكشف هذه القضية عن خلل عميق في منظومة الشفافية والمساءلة داخل الإمارات، وعن استمرار استخدام الأدوات الإدارية والإعلامية لإخفاء الأزمات بدل معالجتها. وبينما تتراكم الأسئلة حول علاقة مسؤولين إماراتيين بشبكات مشبوهة، يبقى الرأي العام المحلي والدولي محرومًا من إجابات حقيقية، في مشهد يعكس أزمة بنيوية تتجاوز شخص هند العويس إلى طبيعة النظام نفسه.

اقرأ أيضًا : بن زايد يعيد تشكيل مجلس أمناء حقوق الإنسان بعد فضيحة إبستين