بقلم / عبد الله على
في تحقيق استقصائي جديد، كشفت صحيفة واشنطن بوست الأميركية عن تفاصيل مرعبة لضربة جوية إسرائيلية استهدفت سجن إيفين الإيراني، أحد أبرز رموز القمع السياسي في طهران، وأسفرت عن سقوط قتلى مدنيين وتدمير منشآت حيوية داخل المجمع. التحقيق الذي اعتمد على صور أقمار صناعية وتحليل شهادات حية، يسلط الضوء على جريمة أخرى تُضاف إلى سجل الاحتلال الإسرائيلي في استهداف المدنيين والمنشآت المحمية، وسط تجاهل دولي مستمر وتواطؤ غربي لا تخطئه العين.

قصف مريب.. سجن سياسيون فيه معتقلون ومعارضون وأجانب
صباح 23 يونيو/حزيران 2025، قبل يوم واحد من وقف إطلاق النار بين إيران و”إسرائيل”، نفذ الطيران الحربي الإسرائيلي غارة دقيقة استهدفت سجن إيفين الواقع عند سفح جبال ألبرز شمالي العاصمة الإيرانية طهران. وتُعد هذه المنشأة واحدة من أشهر أدوات القمع التي استخدمتها الجمهورية الإسلامية منذ الثورة عام 1979، وتضم مئات المعارضين السياسيين، والصحفيين، والنشطاء الحقوقيين، بالإضافة إلى سجناء أجانب.
التحقيق الذي نشرته واشنطن بوست أظهر من خلال تحليل صور أقمار صناعية عالية الدقة أن الغارة دمرت أجزاء واسعة من المجمع، وألحقت أضرارًا مباشرة بما لا يقل عن 17 مبنى، من بينها الجناح 209، وهو جناح الحبس الانفرادي الذي تديره وزارة الاستخبارات، ومركز طبي، ومبنى إداري، ومناطق مخصصة لزيارة العائلات.
السجن المعروف بممارساته التعسفية وظروفه القاسية لم يسلم هذه المرة من نار الاحتلال الإسرائيلي، رغم كونه منشأة مدنية، وموقعاً محمياً بموجب القانون الدولي، نظراً لعجز السجناء عن حماية أنفسهم.
ضحايا مدنيون بينهم أطفال وفنانون.. وشهادات صادمة من داخل السجن
بحسب ما أعلنه مسؤولون إيرانيون، فإن الهجوم أسفر عن مقتل 71 شخصًا على الأقل، من بينهم 43 موظفًا في السجن، وطبيبان، وجنديان، و4 مدنيين على الأقل، بينهم طفلان. ومن بين الضحايا أيضًا علي غناتكار، المدعي العام الأعلى في سجن إيفين، والمعروف بمحاكماته المثيرة للجدل لمعارضين سياسيين.
وأشارت الصحيفة إلى أن إحدى الضحايا كانت الفنانة الإيرانية مهرانجيز إيمانبور (61 عامًا)، والتي صادف مرورها بجانب بوابة الزوار وقت القصف، حيث كانت متجهة لدفع أجرة عامل محلي. لقطات كاميرات المراقبة أظهرتها تخرج من منزلها قبل أقل من ساعة من الغارة، ولم تعد.
شهود عيان رووا مشاهد أشبه بكارثة إنسانية، أحدهم قال إن “كل شيء كان أنقاضًا… بدا الأمر وكأنها نهاية العالم”، بينما ذكر آخر أنه شاهد سجناء معصوبي الأعين يتجولون في الساحة بلا رقابة بعد الضربة، في دلالة على الفوضى التي خلفها الهجوم في المنشأة.
ونتج عن الضربة تدمير الجناح الطبي بشكل شبه كامل، وتعطيل أجزاء كبيرة من السجن، مما دفع السلطات إلى نقل السجناء إلى مرافق أخرى، بعضها معروف بسوء سمعته، مثل سجن طهران الكبير وسجن قرشك، وسط ازدحام وظروف معيشية أسوأ.
جرائم حرب بصمت غربي.. والسجن ليس هدفًا عسكريًا
تطرح الغارة الجوية على سجن إيفين تساؤلات خطيرة حول أهداف “إسرائيل” العسكرية ومراعاتها لقوانين الحرب الدولية. فوفق اتفاقيات جنيف، تُعتبر السجون منشآت محمية، ولا يجوز استهدافها إلا إذا كانت تُستخدم لأغراض عسكرية مباشرة، وهو ما لم تثبته “إسرائيل” أو تبرره بأي شكل.
اللافت أن جيش الاحتلال الإسرائيلي رفض التعليق على التحقيق، كما تجاهلت الحكومة الإسرائيلية الرد على الاتهامات، مكتفية بالصمت، في وقت يتزايد فيه الغضب في أوساط الحقوقيين والقانونيين.
منظمة ناشطو حقوق الإنسان في إيران أكدت بدورها مقتل اثنين من السجناء في الهجوم، دون أن تحدد هويتهم، فيما أشار مسؤولون إيرانيون إلى أن عدد الضحايا بين المعتقلين قد يكون أكبر، لكن لم تُكشف أسماؤهم حتى الآن بسبب الفوضى الأمنية.
تحليل خبراء صور الأقمار الصناعية أشار إلى أن طبيعة الضرر تشير إلى استخدام ذخائر منخفضة القدرة، تُستخدم عادة في الضربات الدقيقة لاستهداف أهداف محددة، مما يعني أن استهداف أجزاء معينة من السجن لم يكن عشوائيًا بل كان مخططًا له بعناية.
احتلال لا يفرّق بين جبهة وسجن.. ومجتمع دولي يتعامى
تكشف هذه الضربة عن حقيقة سياسة الاحتلال الإسرائيلي: استهداف ممنهج لكل ما يعارضه، حتى لو كان ذلك في عمق أراضي الخصوم، وحتى لو كان الثمن أرواح أبرياء داخل سجن. فقد سبق للاحتلال أن قصف مدارس ومستشفيات ومخيمات لاجئين في غزة ولبنان، واليوم يوسع بنك أهدافه ليشمل السجون.
الضربة على سجن إيفين ليست فقط تجاوزًا خطيرًا لقوانين الحرب، بل هي أيضًا اختبار جديد لمصداقية المجتمع الدولي، الذي يتشدق ليل نهار بحقوق الإنسان بينما يصمت أمام الجرائم التي ترتكبها “إسرائيل” في وضح النهار. قصف منشأة مدنية تضم مئات المعارضين السياسيين وأسرًا في مناطق الزيارة لا يمكن تبريره بأي ادعاء أمني أو سياسي.
وما يزيد من خطورة الحدث أن الاحتلال يدرك جيدًا أن العالم لن يحاسبه، بل سيغض الطرف كما حدث في مجازر غزة وسوريا ولبنان. في ظل هذا الصمت، يتحول كل موقع إلى هدف مشروع، وكل مدني إلى رقم في تقارير ما بعد القصف.
خاتمة: من غزة إلى طهران.. نار الاحتلال لا تفرق
بينما يستمر العالم في تجاهل الجرائم الإسرائيلية بحق المدنيين، تؤكد هذه الواقعة أن سياسات الاحتلال تجاوزت كل الخطوط الحمراء. فاستهداف سجن إيفين – رمز القمع الإيراني – لا يمكن فصله عن حرب نفسية شاملة تديرها “إسرائيل” ضد خصومها، ولكن على حساب أرواح مدنيين لا ناقة لهم ولا جمل.
جرائم الاحتلال تتنقل من جغرافيا إلى أخرى، من غزة إلى صنعاء، ومن بيروت إلى طهران، والحصيلة دائمًا هي نفسها: مزيد من القتلى المدنيين، مزيد من الانتهاكات، ومجتمع دولي يواصل سياسة الكيل بمكيالين.
اقرأ أيضًا : الشرطة البريطانية تعتقل مؤيدين لحركة “العمل من أجل فلسطين”: قمع سياسي أم تطبيق للقانون؟