في تصعيد جديد ضد الحريات الأكاديمية وحرية التعبير، ألمح وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو إلى إمكانية إلغاء تأشيرات الطلبة الأجانب الذين يعبرون عن دعمهم لفلسطين، بحجة أنهم قد يشكلون “تهديدًا للأمن القومي الأمريكي”.
تصريحات روبيو جاءت ضمن موجة من الإجراءات المشددة التي تتخذها إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ضد الحراك الطلابي الداعم للقضية الفلسطينية، حيث وصف الوزير الأمريكي حركة حماس بأنها “منظمة إرهابية”، معتبرًا أن أي دعم لها، حتى ولو كان معنويًا أو سياسيًا، يُعد تهديدًا أمنيًا.
ترحيل الطلبة المتضامنين.. قمع سياسي تحت غطاء قانوني
لم تكن هذه التهديدات مجرد تصريحات عابرة، بل جاءت بعد أن وقع ترامب، في يناير 2025، أمرًا تنفيذيًا جديدًا ضمن سلسلة أوامره المتعلقة بـ”مكافحة معاداة السامية”، والذي يتيح ترحيل الطلاب الأجانب الذين يشاركون في مظاهرات داعمة لفلسطين، بدعوى أنهم يروجون “لأيديولوجيات معادية للسامية”.
وبموجب هذا القرار، أصبح بإمكان السلطات الأمريكية إلغاء تأشيرات الطلاب أو رفض طلباتهم أو حتى ترحيلهم، إذا تم اعتبار أنشطتهم “تشكل خطرًا”، وذلك بناءً على تقارير تصدرها وزارة الخارجية، وزارة التعليم، ووزارة الأمن الداخلي.
ترامب يستخدم “معاداة السامية” كسلاح سياسي
تأتي هذه الإجراءات في ظل تصاعد الاحتجاجات الطلابية داخل الجامعات الأمريكية منذ أكتوبر 2023، حيث شهدت عدة مؤسسات تعليمية كبرى مظاهرات ضخمة ضد الإبادة الجماعية التي يرتكبها الاحتلال الإسرائيلي في غزة، وسط انتقادات حادة للدعم الأمريكي اللامحدود لإسرائيل.
وفي محاولة لقمع هذه التحركات، ادعى ترامب في بيانه أن هناك “ارتفاعًا ملحوظًا في التهديدات ضد الطلاب اليهود”، مشيرًا إلى أن حكومته “لن تتسامح مع أي سلوك قد يُفهم على أنه دعم لمنظمات إرهابية”.
لكن في المقابل، يؤكد ناشطون وحقوقيون أمريكيون أن هذا القرار ليس سوى محاولة مكشوفة لإسكات الأصوات الناقدة للسياسة الإسرائيلية، واستهداف الطلاب الذين يدافعون عن حقوق الفلسطينيين، من خلال وضعهم تحت تهديد الترحيل أو الملاحقة القانونية.
هل تتحول الجامعات الأمريكية إلى ساحة قمع للمعارضين؟
المفارقة في هذه القضية أن الولايات المتحدة لطالما ادّعت دعمها لحرية التعبير والحريات الأكاديمية، لكنها اليوم تستخدم قوانينها لممارسة رقابة مشددة على الطلاب الأجانب، وتحاول ترهيبهم لمنعهم من انتقاد سياسات الاحتلال الإسرائيلي.
ويقول مراقبون إن هذا القرار قد يؤدي إلى خلق حالة من الخوف داخل الجامعات الأمريكية، حيث سيجد الطلاب الأجانب أنفسهم مهددين بفقدان إقاماتهم التعليمية أو حتى مواجهة الترحيل، لمجرد مشاركتهم في مظاهرات سلمية أو تعبيرهم عن آرائهم على وسائل التواصل الاجتماعي.
التواطؤ الأمريكي في الإبادة الجماعية بغزة
يأتي هذا القرار بينما تواصل واشنطن دعمها غير المشروط لإسرائيل، رغم ارتكابها إبادة جماعية في قطاع غزة بين 7 أكتوبر 2023 و19 يناير 2025، حيث أسفرت الهجمات الإسرائيلية عن استشهاد وإصابة أكثر من 160 ألف فلسطيني، معظمهم من النساء والأطفال، إلى جانب 14 ألف مفقود.
في ظل هذه المجازر، أصبحت الاحتجاجات الطلابية داخل الجامعات الأمريكية صوتًا بارزًا في فضح التواطؤ الأمريكي، وهو ما يبدو أنه أزعج إدارة ترامب ودفعها إلى تصعيد القمع ضد النشطاء والطلاب الأجانب.
ما هي التداعيات المحتملة لهذا القرار؟
- قد تواجه إدارة ترامب انتقادات واسعة من الأوساط الأكاديمية والحقوقية داخل الولايات المتحدة، باعتبار أن هذا القرار يخالف القيم الديمقراطية التي تروج لها البلاد.
- من المرجح أن تتصاعد الاحتجاجات داخل الجامعات الأمريكية، مع دخول منظمات حقوق الإنسان على خط المواجهة، خاصة أن القرار يحمل طابعًا تمييزياً ضد الطلاب المسلمين والعرب.
- قد يؤدي القرار إلى إضعاف صورة الجامعات الأمريكية عالميًا، حيث سيؤثر على تدفق الطلاب الأجانب، الذين قد يشعرون بعدم الأمان في ظل هذه التهديدات المستمرة.
حملة تكميم أفواه تحت غطاء “الأمن القومي”
يبدو أن الإدارة الأمريكية قررت محاربة التضامن مع الفلسطينيين عبر سلاح التأشيرات والترحيل، متجاهلة كل الانتقادات الموجهة لسياستها الخارجية. لكن السؤال الأهم يبقى: هل ستنجح هذه السياسة في إسكات الحراك الطلابي، أم أنها ستؤدي إلى موجة جديدة من الغضب ضد ازدواجية المعايير الأمريكية؟ الأيام القادمة وحدها ستكشف مدى تأثير هذا القرار على المشهد السياسي داخل الجامعات الأمريكية.