في تطور مثير للجدل، كشفت تقارير إعلامية إسرائيلية وأمريكية عن مساعٍ يقودها رئيس جهاز الموساد الإسرائيلي، دافيد برنياع، لإقناع ثلاث دول –ليبيا، إندونيسيا، وإثيوبيا– بقبول مئات الآلاف من الفلسطينيين من قطاع غزة، تحت غطاء “الهجرة الطوعية”.
وطلب برنياع من الولايات المتحدة التدخل الفعّال لتسهيل هذه العملية، مما يثير تساؤلات خطيرة حول نوايا إسرائيل، ومدى تورط واشنطن في دعم خطط قد تُصنف كجرائم ترحيل قسري بموجب القانون الدولي.

أجندة الموساد: تصدير الأزمة بدل حلّها
خلال زيارة وُصفت بـ”الحساسة” لواشنطن هذا الأسبوع، عرض رئيس الموساد دافيد برنياع على مسؤولين أمريكيين، من بينهم مبعوث الرئيس دونالد ترامب، ستيف ويتكوف، تفاصيل خطة إسرائيلية ترمي لنقل الفلسطينيين من قطاع غزة إلى دول ثالثة.
ووفقًا لتسريبات القناة 12 العبرية، أشار برنياع إلى محادثات أولية مع ليبيا، إندونيسيا، وإثيوبيا، زاعمًا استعداد هذه الدول لـ”النظر في الفكرة”.
وبحسب التقرير، فقد طلب برنياع من إدارة بايدن تقديم حوافز سياسية واقتصادية لهذه الدول لإقناعها بالقبول، في مسعى واضح لإضفاء شرعية على مشروع “تهجير منظم” يجري تغليفه بشعارات “الحرية والاختيار”.
لكن مصادر مطلعة أكدت أن ويتكوف لم يُعطِ أي التزام، وأن البيت الأبيض ما زال متردداً بشأن التحرك في هذا المسار.
ويعيد هذا التحرك إلى الواجهة مقترحًا سبق أن طرحه دونالد ترامب في فبراير الماضي، يقضي بإعادة توطين مليوني فلسطيني من غزة في دول أخرى لإعادة إعمار القطاع، إلا أن المقترح وُوجه برفض عربي ودولي واسع، مما أدى إلى تجميده.
“الطوعية” تحت القصف.. هل تكفي الكلمة لتبرير الجريمة؟
تحاول إسرائيل تقديم خطة التهجير الجديدة باعتبارها “خيارًا طوعيًا” للفلسطينيين المحاصرين في غزة، لكن هذا الادعاء سرعان ما يتهاوى أمام الحقائق على الأرض.
فبحسب تقارير صادرة عن منظمات حقوقية دولية وخبراء قانونيين أمريكيين وإسرائيليين، فإن تهجير السكان المدنيين تحت القصف والحصار والتجويع، لا يمكن اعتباره طوعيًا بأي حال من الأحوال، بل يرقى إلى جريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية.
وتشير التقارير إلى أن “كل فلسطيني تقريبًا في غزة نزح خلال الحرب، وبعضهم نزح عدة مرات”، فيما تضررت معظم البنية التحتية والمباني المدنية، بما فيها المدارس والمستشفيات.
وفي ظل هذه الكارثة الإنسانية، تعمل إسرائيل على حشر السكان في منطقة صغيرة تُسمى “المنطقة الإنسانية” قرب الحدود المصرية، في خطوة تبدو وكأنها تمهيد لعملية تهجير أوسع نطاقًا.
المثير للقلق أن تصريحات نتنياهو خلال لقائه مع ترامب الأسبوع الماضي، كشفت عن انسجام غير معلن مع هذا التوجه، حيث أشاد بخطة ترامب واعتبر أن “من أراد البقاء فليبق، ومن أراد المغادرة فليغادر”، متجاهلًا حقيقة أن خيار المغادرة يتم في ظروف من القصف والدمار والفقر المدقع.
أبعاد إجرامية وأدوار دولية مريبة
ما تسعى إسرائيل إليه، وبدعم أمريكي غير معلن، هو إعادة إنتاج سيناريو النكبة الفلسطينية لعام 1948، ولكن بأساليب أكثر حداثة وتحت ذرائع إنسانية خادعة.
فوفقًا لموقع “أكسيوس” الأمريكي، فإن إسرائيل لا تخفي رغبتها في نقل سكان غزة البالغ عددهم نحو مليوني نسمة إلى خارج القطاع، وهو ما أثار مخاوف مصر ودول أوروبية وغربية من مخطط تهجير جماعي محظور دوليًا.
ويخشى مراقبون من أن تورط واشنطن في دعم هذا المشروع –سواء بالصمت أو بالتشجيع غير المباشر– سيجعلها شريكة في واحدة من أبشع الجرائم ضد المدنيين في القرن الحادي والعشرين. فالبيت الأبيض، رغم عدم إصداره تعليقات رسمية، لم يبدِ أي اعتراض حقيقي على فكرة “النقل الطوعي”، بل اكتفى بإحالة الموضوع إلى “الدول المستقبِلة”.
الخطير أيضًا هو محاولة استغلال دول تعاني أصلًا من أزمات سياسية واقتصادية –مثل ليبيا وإثيوبيا– لفرض هذا العبء الإنساني والسياسي عليها، في مخالفة صريحة لقواعد القانون الدولي التي تمنع إعادة توطين اللاجئين قسرًا، أو الضغط على الدول الفقيرة لقبولهم دون ضمانات حقوقية وإنسانية.
خاتمة: بين التهجير والقانون.. من يوقف الجريمة؟
المعركة في غزة لم تعد فقط على الأرض، بل باتت معركة قانونية وأخلاقية عالمية. ومع استمرار الاحتلال الإسرائيلي في شن حرب إبادة ممنهجة ضد سكان القطاع، تتزايد المؤشرات على نية مبيتة لإفراغ غزة من سكانها ضمن خطة إعادة هندسة ديمغرافية مدفوعة بالكراهية العنصرية.
في هذا السياق، يتعيّن على المجتمع الدولي –وخاصة الأمم المتحدة ومحكمة الجنايات الدولية– التحرك العاجل لوقف هذه الجريمة قبل أن تقع. كما أن على الدول التي تُطرح أسماؤها ضمن خطة التهجير أن تعلن موقفًا واضحًا برفض استقبال الفلسطينيين المقهورين كـ”لاجئين دائمين”، وأن تساند حقهم المشروع في العودة إلى ديارهم، لا أن تُستغل مآسيهم لتصفية القضية الفلسطينية تحت غطاء “إنساني”.
فمن يوقف هذا المشروع الإجرامي الجديد؟ ومن يُسائل من يقف خلفه؟
اقرأ أيضًا : غارة فوق خط التهدئة: إسرائيل تواصل القتل في مرجعيون رغم اتفاق وقف إطلاق النار