في خطوة جديدة تكشف عمق التواطؤ الأمريكي مع الاحتلال الإسرائيلي، كشف موقع أكسيوس الأمريكي أن إدارة الرئيس دونالد ترامب تعمل على استغلال أزمة المسلحين الفلسطينيين العالقين في مناطق سيطرة قوات الاحتلال داخل قطاع غزة لتطوير نموذج عملي لنزع سلاح حركة حماس.
هذا المقترح، الذي تصفه مصادر إسرائيلية بأنه “فرصة سياسية نادرة”، يعيد إلى الواجهة المساعي الأمريكية لتصفية المقاومة الفلسطينية تحت غطاء “الوساطة” و”الحلول الأمنية”، وسط استمرار الحرب الإسرائيلية المدمّرة على القطاع منذ أكثر من عامين.
ووفقًا لما نقله الموقع عن مسؤولين أمريكيين وإسرائيليين، فإن إدارة ترامب طرحت مقترحًا يقضي بتسليم مقاتلي حماس المحاصرين لأنفسهم وأسلحتهم إلى طرف ثالث، مقابل منح إسرائيل عفوًا عنهم بشرط عدم عودتهم إلى العمل العسكري. وبذلك تحاول واشنطن تقديم ما تصفه بـ”حل إنساني تكتيكي” لكنه في جوهره مقدمة لتجريد المقاومة من سلاحها وفرض نموذج استسلامي جديد على القطاع.

تفاصيل المقترح: ممرات آمنة ووساطة تركية بإيعاز أمريكي
أشار أكسيوس إلى أن واشنطن طلبت من رئيس الاستخبارات التركية، إبراهيم قالن، الانضمام إلى جهود الوساطة الجارية بشأن أزمة المسلحين، في محاولة لإضفاء شرعية إقليمية على الطرح الأمريكي. ويبدو أن أنقرة وافقت مبدئيًا على المشاركة، دون أن تتضح بعد ملامح موقفها النهائي من المقترح الذي يصفه مراقبون بأنه “فخ سياسي” يهدف لتقسيم الصف الفلسطيني وخلق سابقة في نزع السلاح داخل غزة.
المقترح الأمريكي ينص على أن يتم نقل المسلحين بعد تسليم أسلحتهم إلى مناطق تحت سيطرة حماس، وأن تُدمَّر الأنفاق التي لجؤوا إليها خلال المعارك. ووفقًا للموقع، ترى إدارة ترامب في هذا السيناريو نموذجًا تجريبيًا “لنزع سلاح حماس بطريقة سلمية”، على أمل أن يُعمَّم لاحقًا في بقية مناطق القطاع.
لكن داخل أروقة تل أبيب، لم يلق المقترح قبولًا كاملاً؛ إذ أكد مسؤول إسرائيلي للموقع أن حكومة نتنياهو “تتعاون مع الأمريكيين لكنها لا توافق على جميع عناصر المقترح”. وأضاف أن مصير بعض مقاتلي حماس في أنفاق رفح “سيكون بين القتل أو الاستسلام والاحتجاز”، وأن أي ممر آمن لهم “مشروط بإعادة جثة الجندي هدار غولدين” المحتجزة منذ حرب 2014.
ردود إسرائيلية متباينة: بين الرفض الميداني والقبول السياسي
بحسب صحيفة يديعوت أحرونوت العبرية، أبدى رئيس أركان جيش الاحتلال إيال زامير استعدادًا مبدئيًا لإخراج نحو 200 مسلح فلسطيني من مدينة رفح مقابل استعادة جثة غولدين. إلا أن هذه الفكرة، التي طُرحت لاحقًا داخل أروقة القيادة السياسية، واجهت رفضًا من مكتب نتنياهو الذي أصر على إبقاء المقاتلين داخل المنطقة التي تسيطر عليها القوات الإسرائيلية.
القناة 12 العبرية أضافت أن النقاش حول السماح للمسلحين بعبور “الخط الأصفر” نحو مناطق سيطرة حماس مقابل تسليم أسلحتهم أثار “غضبًا داخل الأوساط السياسية والعسكرية”، معتبرين أنه “تنازل مجاني لحماس”. هذا التناقض في المواقف يعكس الانقسام داخل مؤسسات الاحتلال بين من يرى في المبادرة الأمريكية وسيلة لتقليص القتال الميداني، وبين من يرفض أي مظهر يمكن أن يُفهم على أنه تراجع أمام حماس.
في المقابل، نقل أكسيوس عن مسؤول أمريكي قوله إن “الموقف الإسرائيلي متشدد كالعادة، لكننا في خضم مفاوضات حساسة”. بينما حثّ مسؤول آخر إسرائيل “على عدم السماح لقضية تكتيكية مثل أزمة رفح بإفساد هدف إستراتيجي مثل اتفاق غزة”.
تلك التصريحات تكشف أن واشنطن لا ترى في المقترح مجرد معالجة إنسانية، بل خطوة ضمن خطة أشمل لإعادة هندسة الوضع الأمني في غزة بما يخدم إسرائيل.
تحليل سياسي: نزع السلاح كأداة لإعادة صياغة غزة
يرى محللون أن المقترح الأمريكي ليس سوى جزء من مشروع أوسع يهدف إلى إعادة رسم معادلة القوة في غزة، وتحويل حماس من فاعل مقاوم إلى كيان منزوع الدسم العسكري. فبدلًا من إنهاء الاحتلال أو رفع الحصار، تحاول واشنطن فرض “نزع سلاح مقابل عفو”، بما يشبه نماذج “المصالحة المشروطة” التي فُرضت في مناطق صراع أخرى كالعراق أو أفغانستان.
الخطورة في هذا الطرح تكمن في أنه يستخدم أزمة إنسانية حقيقية – محاصرو الأنفاق – كأداة ضغط سياسي، ويُغلفها بخطاب “السلام الإنساني” و“الوساطة الإقليمية”. وهو بذلك يطمس جوهر القضية المتمثل في الاحتلال والعدوان المستمر، ليحوّل الضحية إلى طرف مطلوب منه تقديم التنازلات.
كما أن إدخال تركيا في المشهد – ولو بصفة الوساطة – يمنح المقترح بعدًا دوليًا يهدف لتقويض أدوار أخرى مثل الوساطة القطرية والمصرية، وإعادة توزيع النفوذ الإقليمي في الملف الفلسطيني. ويشير مراقبون إلى أن هذه الخطوة قد تُستخدم لاحقًا للضغط على حماس لتوقيع اتفاق أوسع يشمل الترتيبات الأمنية وإدارة القطاع بعد الحرب.
خاتمة: واشنطن تعيد إنتاج أدوات الاحتلال
المقترح الأمريكي يعكس بوضوح استمرار السياسة الأمريكية في دعم الاحتلال الغاشم وتوفير الغطاء الدبلوماسي والعسكري له، تحت ذرائع “الأمن” و“الاستقرار”. فبدلًا من مساءلة إسرائيل على جرائمها في غزة، تسعى واشنطن لتحويل المأساة الإنسانية إلى فرصة سياسية لتجريد الفلسطينيين من أدوات المقاومة.
وفي ظل الصمت الدولي وتواطؤ بعض الأطراف الإقليمية، يبدو أن “أزمة مسلحي الأنفاق” ليست سوى مدخل جديد لتطبيق نموذج استسلامي يُراد له أن يكون “المرحلة الأولى” من خطة أمريكية طويلة الأمد لتصفية القضية الفلسطينية عبر سلاح “نزع السلاح”.
وهكذا، تواصل واشنطن تقديم نفسها كوسيط “سلام”، بينما تكرّس عمليًا واقع الاحتلال والهيمنة، في تكرار مأساوي لنهجها التاريخي في الشرق الأوسط: حيث تتحول المبادرات الأمريكية إلى غطاء سياسي جديد لجرائم الحرب الإسرائيلية.
اقرأ أيضًا : الإمارات مرّرت أسلحة محرمة في الفاشر.. دبلوماسي سوداني يكشف خيوط المؤامرة الخارجية