في خطوة تحمل دلالات سياسية عميقة تتجاوز بعدها الإداري المعلن، كشفت نيويورك تايمز أن الولايات المتحدة باتت على وشك الإعلان عن تشكيل لجنة فلسطينية من “التكنوقراط” للإشراف على إدارة قطاع غزة، مرجّحة اختيار علي شعث، نائب وزير التخطيط الفلسطيني السابق، رئيسًا لها. ورغم تقديم هذه الخطوة بوصفها جزءًا من ترتيبات “اليوم التالي” للحرب، فإن توقيتها وسياقها ومضمونها يشي بمحاولة أميركية لفرض شكل جديد من السيطرة على غزة، يمكن توصيفه بأنه احتلال سياسي وإداري بالوكالة.
وبحسب الصحيفة الأميركية، استندت المعلومات إلى أربعة مسؤولين أميركيين وستة مصادر مطلعة على القرار، رجّحوا أن يتم الإعلان عن اللجنة خلال اجتماعات تعقدها فصائل فلسطينية، بينها حركة حماس، في القاهرة. غير أن اللافت هو الغموض المتعمد الذي يكتنف تفاصيل اللجنة: لا أسماء الأعضاء الآخرين معروفة، ولا آليات اتخاذ القرار، ولا مصادر التمويل، ولا سقف زمني لعملها. هذا الغموض لا يبدو عرضيًا، بل يشكّل بحد ذاته أداة سياسية تسمح لواشنطن بالإمساك بالخيوط من الخلف، مع واجهة فلسطينية تتحمل عبء الإدارة اليومية والاحتكاك الشعبي.

“إظهار التقدم” بدل حلّ الأزمة
تنقل نيويورك تايمز عن محللين قولهم إن الإعلان المرتقب يهدف أساسًا إلى “إظهار التقدم” في ملف غزة، في ظل تعثّر مسارات أخرى، أبرزها فشل واشنطن في إقناع دول بإرسال قوات حفظ سلام. ويذهب أحد المحللين في منتدى السياسة الإسرائيلية إلى أن الخطوة تعكس رغبة سياسية في تسجيل إنجاز شكلي، أكثر مما تمثل حلًا حقيقيًا للأزمة المتفاقمة في القطاع.
هذا التوصيف يكشف جوهر المقاربة الأميركية: إدارة ما بعد الحرب دون تحمّل كلفة الاحتلال المباشر. فبعد أن لعبت واشنطن دور الداعم السياسي والعسكري للحرب الإسرائيلية، تسعى اليوم إلى إعادة ترتيب المشهد عبر أدوات مدنية، تضمن استمرار نفوذها، وتمنع في الوقت ذاته تبلور صيغة فلسطينية مستقلة لإدارة غزة.
المرحلة التالية من خطة ترامب
في السياق ذاته، أفادت وول ستريت جورنال بأن إدارة دونالد ترامب ستعلن، اليوم الأربعاء، الانتقال إلى “المرحلة التالية” من خطة غزة. وتستند هذه الخطة إلى لجنة “غير سياسية” تتولى تقديم الخدمات العامة، وتتألف من خبراء فلسطينيين مستقلين، وفق الرواية الأميركية.
غير أن الادعاء بالحياد يصطدم بحقيقة أن اللجنة تُشكَّل بقرار أميركي، وتعمل ضمن إطار سياسي رسمته واشنطن مسبقًا. فهي لا تنبثق عن توافق وطني فلسطيني، ولا عن انتخابات أو تفويض شعبي، بل عن هندسة خارجية تهدف إلى ضبط القطاع أمنيًا وسياسيًا، وتهيئته لمرحلة تُقصى فيها قوى المقاومة، وتُعاد صياغة السلطة وفق معايير “الاستقرار” الأميركي-الإسرائيلي.
احتلال بلا دبابات
من زاوية تحليلية، تمثل هذه اللجنة نموذجًا متقدمًا لما يمكن تسميته الاحتلال الناعم. فلا وجود لقوات أميركية على الأرض، ولا لإدارة عسكرية معلنة، لكن القرار السياسي والاقتصادي يظل مرتهنًا لواشنطن. التمويل مشروط، والإعمار مسيّس، والإدارة محكومة بسقف خارجي. وبهذا، تُنقل غزة من احتلال عسكري مباشر إلى وصاية دولية أميركية مقنّعة، تُدار فيها الحياة اليومية دون سيادة حقيقية.
في هذا النموذج، تتحول “التكنوقراط” إلى أداة لتجريد القضية من بعدها السياسي، وتحويلها إلى مسألة خدمات وإغاثة، بينما تُدفن الأسئلة الجوهرية المتعلقة بالاحتلال والحقوق الوطنية وتقرير المصير. إنه انتقال من القمع الخشن إلى التحكم البنيوي، حيث تُفرض السياسات عبر اللجان والمانحين، لا عبر الجنود.
الإبادة والإعمار المشروط
تأتي هذه التحركات في أعقاب حرب مدمّرة خلّفت، بحسب تقديرات أممية، أكثر من 71 ألف شهيد و171 ألف جريح، ودمارًا طال نحو 90% من البنى التحتية المدنية، مع تكلفة إعمار تُقدَّر بنحو 70 مليار دولار. وفي هذا السياق، يتحول ملف الإعمار إلى أداة ضغط مركزية: من يموّل يقرّر، ومن يقرّر يحدّد شكل الحكم.
والخشية هنا أن تصبح اللجنة المقترحة بوابة لفرض معادلات سياسية جديدة، تُربط فيها إعادة الإعمار بنزع سلاح المقاومة، وإعادة هندسة المشهد الفلسطيني بما يتوافق مع الرؤية الأميركية، لا مع الإرادة الشعبية الفلسطينية.
خلاصة
ما تطرحه واشنطن اليوم ليس حلًا لغزة، بل إدارة أميركية لنتائج الحرب. لجنة بلا تفويض شعبي، وبلا سيادة، وبلا أفق زمني واضح، تُراد لها أن تملأ فراغ ما بعد الدمار، وتمنح الولايات المتحدة مخرجًا سياسيًا من مشهد الإبادة. وفي المحصلة، نحن أمام احتلال جديد، أقل صخبًا وأكثر دهاءً، لكنه لا يقل خطورة، لأنه يسعى إلى تطبيع السيطرة وتحويلها إلى “إدارة مدنية” لحياة شعب لا يزال يعيش تحت الأنقاض.
اقرأ أيضًا : فشل المخطط الإماراتي لتفكيك اليمن… قائد عسكري في التحالف يصل عدن بعد استعادة الدولة