أعادت دفعة جديدة من وثائق قضية جيفري إبستين فتح نقاش سياسي وإعلامي محتدم في مصر، بعد تداول رسالة منسوبة إلى جمال مبارك كُتبت من محبسه عام 2011، إلى جانب ورود اسم أحمد أبو الغيط في سياق منفصل داخل الملفات نفسها. وبينما فجّرت لغة الرسالة المنسوبة لجمال مبارك غضبًا واسعًا، سارع أبو الغيط إلى نفي أي علاقة له بإبستين، في مشهد يعكس حساسية الوثائق المسربة وقدرتها على إحياء صراعات قديمة وإعادة تأطيرها سياسيًا.

رسالة من السجن… ولغة تُشعل الغضب
تعود الرسالة التي أثارت العاصفة إلى 12 يونيو/حزيران 2011، إبّان احتجاز جمال مبارك وشقيقه علاء بعد ثورة 25 يناير ونقلتها زوجته خديجة الجمال. ووفق الوثيقة المتداولة، فقد نُقلت الرسالة عبر الدبلوماسي النرويجي تيري رود لارسن إلى إبستين، في إطار مساعٍ للبحث عن دعم قانوني ودولي للأسرة في تلك المرحلة المضطربة.
أخطر ما في الرسالة لم يكن تفاصيلها القانونية، بل توصيف جمال مبارك للضغط الشعبي الذي أحاط بالمحاكمات، إذ استخدم تعبير “الغوغاء” لوصف الشارع المصري، معتبرًا أن قرارات الاحتجاز والإحالة للمحاكمة جاءت “استرضاءً لهم”. هذا الوصف، الذي عاد للواجهة بعد أكثر من عقد، أشعل موجة استياء عارمة، وأعاد إلى الأذهان فجوة الثقة التاريخية بين نظام حسني مبارك وقطاعات واسعة من المجتمع.
رواية المظلومية ومحاولة تدويل الأزمة
تكشف الرسالة – بحسب ما ورد في الوثائق – عن سردية مظلومية تبناها جمال مبارك آنذاك، إذ تحدث عن “اتهامات سياسية شنيعة” و”نية مبيتة لتلفيق القضايا”، متهمًا إعلام الدولة بتسريب معلومات مضللة لتنفيذ “اغتيال معنوي” للأسرة. كما أشار إلى تواصل مع محامين دوليين، وإلى رغبة في الاستفادة من الضغط الخارجي لمواجهة ما اعتبره غيابًا للعدالة.
هذا الخطاب، في نظر مراقبين، يعكس محاولة مبكرة لتدويل أزمة داخلية عبر شبكات علاقات دولية، وهو ما يفسر حساسية الربط بين الرسالة واسم إبستين، حتى وإن كان دوره – وفق الوثيقة – مجرد وسيط نُقلت إليه الرسالة لا أكثر.
ذاكرة ما بعد الثورة تعود للسطح
إعادة تداول الرسالة لم تُقرأ بمعزل عن السياق التاريخي. فثورة 25 يناير وما تلاها من محاكمات شكلت لحظة فاصلة في الوعي السياسي المصري، ولا تزال تفاصيلها محل صراع سرديات. بالنسبة لكثيرين، فإن وصف المتظاهرين بـ“الغوغاء” يُعد تأكيدًا متأخرًا على نظرة استعلائية كانت سائدة داخل دوائر الحكم قبل 2011، بينما يرى آخرون أن الرسالة تعكس حالة نفسية وسياسية مضطربة لشخص محتجز يواجه انهيار منظومة حكم كاملة.
أبو الغيط ينفي: اسمي أُدرج دون علمي
في المسار الثاني من الجدل، ورد اسم أحمد أبو الغيط ضمن وثائق إبستين في سياق مختلف تمامًا. فقد أكد أبو الغيط، عبر تصريحات نقلها الإعلامي أحمد موسى، أنه لم يلتقِ بإبستين مطلقًا، ولا تربطه به أي علاقة مباشرة أو غير مباشرة. ووفق روايته، فإن اسمه ورد ضمن قائمة مدعوين لملتقى دبلوماسي عُقد في الإمارات عام 2010 عندما كان وزيرًا للخارجية، لكنه لم يحضر الملتقى أصلًا.
وأوضح أن إبستين – بحسب ما تكشفه الوثائق – أعاد إرسال قوائم المدعوين إلى معارفه في إطار “استعراض النفوذ”، دون أن يعني ذلك وجود لقاءات أو علاقات فعلية. نفي أبو الغيط جاء حاسمًا، في محاولة لقطع الطريق أمام أي تأويلات تربط مجرد ذكر الاسم بملفات الجرائم الجنسية والاتجار بالبشر التي أُدين بها إبستين.
وثائق ضخمة وتأويلات خطرة
الجدل المصري يأتي ضمن موجة عالمية أعقبت إفراج وزارة العدل الأمريكية عن نحو 3.5 مليون صفحة من وثائق القضية، تضم مراسلات وقوائم أسماء وسجلات دعوات. إدراج أسماء شخصيات عامة في هذه القوائم، دون سياق دقيق، فتح الباب أمام خلط واسع بين الذكر العابر والتورط الفعلي.
في الحالة المصرية، كشف الجدل عن أمرين متوازيين: أولًا، هشاشة الذاكرة السياسية واستعدادها للاشتعال مع أي وثيقة جديدة، وثانيًا، خطورة القراءة الانتقائية للوثائق دون تمييز بين السياق القانوني والاتهامي. وبين رسالة جمال مبارك ونفي أبو الغيط، تتجسد معضلة أوسع: كيف يمكن لوثائق أرشيفية أن تعيد تشكيل الحاضر، وتعيد فتح جراح لم تُغلق بعد.
اقرأ أيضًا : قمع قيس سعيد يتجسد بمحاكمات التآمر السياسية