رغم حالة التهدئة الهشة التي تعيشها اليمن منذ أبريل 2022، اندلعت اشتباكات عنيفة بين قوات الجيش اليمني ومسلحين قبليين شرق مدينة مأرب، لتفتح جبهة جديدة من التوترات الأمنية في واحدة من أكثر المناطق حساسية واستراتيجية في البلاد. 

المشهد، الذي بدأ على خلفية منع شاحنات من الوصول إلى مواقع للتنقيب عن الرخام في منطقة الثنية، سرعان ما تحوّل إلى اشتباك مسلح قطع الطريق الدولي بين مأرب وحضرموت، وأعاد إلى الأذهان شبح النزاع المسلح متعدد الأطراف في البلاد.

اشتباكات في مأرب.. صراع على الموارد أم بوابة للتخريب

تعود جذور التوتر الأخير إلى قرار أمني بمنع شاحنات نقل من الوصول إلى مواقع تنقيب عن الرخام في منطقة “الثنية” الواقعة شرق مأرب، الأمر الذي فجّر غضب قبائل محلية تعتمد على هذه الأنشطة كمصدر دخل أساسي، ليقود إلى اشتباكات مع قوات أمن الطرقات التابعة للجيش اليمني. 

وتسببت هذه المواجهات في شلل شبه كامل للطريق الحيوي الرابط بين مأرب وحضرموت، وتكدس آلاف المسافرين والمركبات التجارية، ما سلّط الضوء على هشاشة البنية التحتية الأمنية، حتى في مناطق لا تخضع لسيطرة الحوثيين.

هذه الاشتباكات، وإن بدت في ظاهرها نزاعًا محليًا على الموارد أو الامتيازات الاقتصادية، إلا أنها سرعان ما اتخذت بعدًا أمنيًا وسياسيًا أوسع، خاصة مع اتهام السلطات المحلية للمسلحين بالارتباط المباشر بجماعة الحوثي وتنفيذ أجندة تخريبية تستهدف الأمن والاستقرار في المحافظة التي تعدّ من أبرز معاقل الحكومة المعترف بها دولياً.

اتهامات حكومية للحوثيين بتأجيج الوضع ودعم مسلحين قبليين

أصدرت اللجنة الأمنية في محافظة مأرب بيانًا حادّ اللهجة، اتهمت فيه بشكل صريح من وصفتهم بـ”العناصر الخارجة عن القانون”، بقيادة عبد الله بن سعيد بن جلال، بتنفيذ أعمال تخريبية مدعومة من جماعة الحوثي.

وبحسب البيان، فإن هذه العناصر شنت هجمات على نقاط أمنية وعسكرية، مستخدمة أسلحة متوسطة وثقيلة، في محاولة للتمركز وفرض سيطرتها على الطريق العام، وهو ما اعتبرته اللجنة تحديًا مباشرًا لسيادة الدولة وأمنها القومي.

ويبدو أن التحذير الحكومي لم يكن موجّهًا فقط للمسلحين، بل أيضًا للقبائل التي قد تنجرّ خلف تحركاتهم، حيث شددت اللجنة على أهمية التعاون مع القوات الأمنية، ورفض أي محاولة للتواطؤ مع هذه الجماعات، محذرة من خطورة التستر أو الإيواء لأي عنصر يرتبط بجماعة الحوثي.

هذه الاتهامات تعكس إدراكًا متزايدًا داخل الحكومة اليمنية بأن جبهة مأرب ليست فقط عسكرية أو اقتصادية، بل تحوّلت إلى ساحة لصراع استخباراتي معقّد، تستخدم فيه جماعة الحوثي وكلاء قبليين لتقويض الاستقرار الداخلي للمحافظة عبر عمليات تخريبية مدروسة.

مأرب في مرمى التصعيد.. اختبار جديد للهدنة الهشة

تشكّل محافظة مأرب، بما تحويه من ثروات نفطية وموقع جغرافي حساس، هدفًا استراتيجيًا لأي طرف يسعى لتعزيز نفوذه في اليمن. 

ويبدو أن الحوثيين، رغم توقف العمليات العسكرية الكبرى منذ أبريل 2022، ما يزالون يرون في زعزعة استقرار مأرب أداة فعالة لإضعاف الحكومة المعترف بها دوليًا وإرسال رسائل تفاوضية مبطّنة في ظل جمود مسار السلام.

الاشتباكات الأخيرة، التي تزامنت مع اغتيال عقيد في الجيش اليمني قبل يومين في منطقة العرقين جنوب مأرب، تؤكد أن الأوضاع في المحافظة تتجه نحو مزيد من التصعيد الأمني، مع احتمالات مفتوحة لانفجار جديد في الصراع، ما لم يتم تدارك الوضع من خلال تدخلات سياسية وقبلية فاعلة تعيد ضبط التوازن بين القوى المحلية وتمنع الانزلاق نحو فوضى أمنية أوسع.

وتأتي هذه التطورات في وقت يتزايد فيه القلق من تورط جهات خارجية، خصوصًا الإمارات، في تغذية النزاعات القبلية والجهوية في اليمن، على غرار ما يحدث في السودان، حيث توجه أصابع الاتهام لأبوظبي بدعم المليشيات المسلحة لتقسيم البلاد وفرض أمر واقع يخدم مصالحها الإقليمية.

بين الداخل والخارج.. اليمن إلى أين؟

اشتباكات مأرب ليست حادثًا عابرًا، بل مؤشّر خطير على مدى هشاشة الوضع الأمني والسياسي في اليمن، حتى في المناطق التي لا تخضع لسيطرة الحوثيين. 

وهي تفتح الباب أمام أسئلة ملحّة: هل ما يجري هو بداية مرحلة جديدة من المواجهة بالوكالة؟ وهل يستطيع التحالف الحكومي كبح جماح التمدد الحوثي الناعم عبر القبائل؟ أم أن مأرب على وشك الدخول في نفق أمني جديد يعمّق الأزمة اليمنية المستمرة منذ نحو عقد؟

الواضح أن الطريق بين مأرب وحضرموت ليس مجرد شريان مواصلات، بل بات خط تماس متقدم في حرب السيطرة على اليمن، حيث تختلط أوراق القبيلة بالدولة، والسلاح بالتجارة، والداخل بالإقليم، في مشهد يزداد تعقيدًا مع كل رصاصة تطلق في غير ميدان السلام.

اقرأ أيضًا : ببدعم إماراتي للميليشيات.. آلاف اللاجئين السودانيين في تشاد يواجهون الجوع والمعاناة