في خطوة تكشف عمق المأزق الذي يعيشه مسار التطبيع العربي مع الاحتلال الإسرائيلي، كشفت صحيفة يسرائيل اليوم العبرية أنّ وزير الشؤون الاستراتيجية الإسرائيلي، رون ديرمر، بعث برسائل مباشرة إلى القيادة السعودية يؤكد فيها أن تل أبيب لا ترى إمكانية المضي قدماً في أي خطوات تطبيعية قبل “تحقيق هزيمة كاملة” لحركة حماس في قطاع غزة.
هذه الرسائل تعكس الرؤية الإسرائيلية للمرحلة المقبلة، حيث تُصر حكومة بنيامين نتنياهو على أن أي تسوية سياسية أو خطوات إقليمية، بما في ذلك التطبيع مع السعودية، مشروطة بالقضاء على المقاومة الفلسطينية كلياً، وهو ما يطرح علامات استفهام كبيرة حول مستقبل المسار الذي حاولت واشنطن رعايته قبل اندلاع الحرب.

رسائل إسرائيلية واضحة.. ورفض سعودي معلن
أوضحت الصحيفة أن مكتب ديرمر أجرى اتصالات مع مستشارين مقربين من ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، تضمنت شرحاً لموقف حكومة الاحتلال. وبحسب ما ورد، شدد ديرمر على أن إسرائيل لا تعتزم إشراك السلطة الفلسطينية في أي صيغة حكم لقطاع غزة بعد الحرب، ولا تخطط للانخراط في عملية تفاوضية تقود إلى إقامة دولة فلسطينية، حتى بعد وقف القتال.
الموقف الإسرائيلي أثار رداً سعودياً حازماً؛ حيث اعتبرت الرياض أن ما يطرحه نتنياهو وحكومته خضوع كامل لإملاءات اليمين المتشدد وشركاء الائتلاف اليميني، مؤكدة أن المملكة لن تقدم على أي خطوة للتطبيع في غياب أفق واضح نحو إقامة دولة فلسطينية مستقلة. هذا الرفض يعكس إدراك السعودية لحساسيتها في الشارع العربي والإسلامي، وخشيتها من أن تتحول إلى غطاء سياسي لمجازر غزة.
السعودية بين ضغوط واشنطن وحسابات الشارع
الرسائل المتبادلة بين تل أبيب والرياض تأتي في وقت تحاول فيه السعودية موازنة صورتها الإقليمية. فمن جهة، تسعى واشنطن إلى دفع الرياض للانخراط في اتفاق تطبيع شامل مع إسرائيل مقابل ضمانات أمنية أمريكية وتسهيلات في مجال الطاقة والتكنولوجيا النووية. ومن جهة أخرى، تدرك القيادة السعودية أنّ أي خطوة نحو التطبيع في ظل استمرار القصف الإسرائيلي والمجازر بحق الفلسطينيين ستُفقدها الكثير من رصيدها العربي والإسلامي.
محمد بن سلمان، الذي حاول قبل حرب السابع من أكتوبر 2023 الاقتراب من توقيع اتفاق تاريخي مع إسرائيل، يدرك الآن أن اندلاع الحرب وما تبعها من أزمة إنسانية غير مسبوقة في غزة قد قلب الموازين، وجعل أي خطوة للتقارب مع الاحتلال تبدو كخيانة علنية للحقوق الفلسطينية. لذا، يسعى بن سلمان إلى إرضاء واشنطن بالمناورة السياسية، دون أن يتحمل كلفة مواجهة الرأي العام العربي والإسلامي.
الفرصة الضائعة قبل حرب غزة
قبل الحرب، كانت الرياض على وشك التوصل إلى اتفاق برعاية أمريكية مع الاحتلال الإسرائيلي، في إطار مساعٍ أمريكية لبناء تحالف إقليمي ضد إيران وتعزيز ما يُسمى “أمن الشرق الأوسط”. غير أن هجوم المقاومة في 7 أكتوبر وما أعقبه من عدوان إسرائيلي دموي على غزة، أدى إلى توقف المسار بالكامل.
هذا التحول لم يقتصر على تجميد المفاوضات، بل أعاد خلط الأوراق الاستراتيجية في المنطقة. فالسعودية التي كانت تسعى لتقديم نفسها كشريك مركزي في “شرق أوسط جديد”، اضطرت إلى التراجع، لتؤكد من جديد دعمها العلني لإقامة دولة فلسطينية مستقلة كشرط لا يمكن تجاوزه.
مأساة غزة تعرقل التطبيع
في الوقت الذي تتبادل فيه إسرائيل والسعودية الرسائل السياسية، يواصل الاحتلال ارتكاب مجازر مروعة في قطاع غزة. التقارير القادمة من المدينة تصف ليالي طويلة من القصف العنيف الذي حوّل أحياء كاملة إلى ركام، فيما يواجه عشرات الآلاف من النازحين أوضاعاً إنسانية كارثية.
أهالي غزة يجدون أنفسهم محاصرين بين نيران الاحتلال وتجويع ممنهج، وغياب كامل للخدمات الأساسية والمواد الغذائية. هذه المأساة الإنسانية الكبرى تجعل أي حديث عن التطبيع مع إسرائيل بمثابة صفعة جديدة للشعب الفلسطيني، وتضع الأنظمة العربية أمام اختبار أخلاقي وسياسي عسير.
قراءة في الموقف السعودي
من الواضح أن الرياض تحاول اللعب على حبلين:
- إرضاء الولايات المتحدة التي ترى في التطبيع السعودي-الإسرائيلي إنجازاً استراتيجياً.
- تجنب خسارة الرأي العام العربي والإسلامي الذي يرفض أي تقارب مع إسرائيل في ظل استمرار المجازر.
لكن رسائل ديرمر أوضحت أن إسرائيل غير معنية بتقديم أي تنازل سياسي، لا فيما يتعلق بالسلطة الفلسطينية ولا حتى في إطار حل الدولتين. وهذا ما يضع السعودية في موقف حرج: هل تواصل المضي في مسار التطبيع رغم غياب أي مكاسب فلسطينية؟ أم تتمسك بشرط الدولة الفلسطينية وتغامر بإغضاب واشنطن؟
خلاصة
تكشف هذه التطورات أن الحديث عن “تطبيع سعودي-إسرائيلي” كان وهماً أمريكياً أكثر منه مشروعاً واقعياً. فإسرائيل ماضية في سياساتها القائمة على الحرب والإبادة، وترفض أي أفق سياسي، بينما السعودية تجد نفسها مضطرة إلى الموازنة بين إرضاء واشنطن وحماية صورتها أمام العالمين العربي والإسلامي.
ومع استمرار المجازر في غزة، يبدو أن أي خطوة تطبيعية لن تكون سوى محاولة يائسة لتجميل صورة أنظمة استبدادية تسعى للبقاء عبر رضا البيت الأبيض، ولو على حساب الدم الفلسطيني.
اقرأ أيضًا : عائلات الأسرى تتهم نتنياهو: التضحية بالأبناء لحماية الحكم