أثار تصريح وزير الشتات الإسرائيلي عميحاي شيكلي، الثلاثاء، بشأن أن الحرب مع سوريا “حتمية”، جدلاً واسعاً داخل الأوساط السياسية والأمنية في تل أبيب، في ظل تصاعد التوتر على الجبهة الشمالية واستمرار عمليات التوغّل والقصف الإسرائيلي في الأراضي السورية. وجاء تعليقه بالتزامن مع انتشار تسجيلات مصوّرة لجنود من الجيش السوري وهم يهتفون دعماً لغزة خلال مسيرة عسكرية في دمشق، ما اعتبرته إسرائيل مؤشرًا على “تحوّل مقلق” في موقف الجيش السوري بعد مرور عام على سقوط نظام الأسد.

شيكلي، القيادي في حزب “الليكود”، اكتفى بعبارة واحدة عبر منصة “إكس”: “الحرب حتمية”، مرفقاً تدوينته بخبر عن هتافات الجنود السوريين الداعمة لغزة. ورغم بساطة التصريح، إلا أن دلالاته السياسية والأمنية كبيرة، خصوصاً في ظل وضع إقليمي بالغ الحساسية، وقلق داخل القيادة الإسرائيلية من أي اصطفاف عسكري أو شعبي جديد عقب مجازر غزة خلال العامين الماضيين.

تخوّف إسرائيلي من الرمزية الجديدة للجيش السوري

الهتافات التي أطلقها الجنود السوريون خلال الاستعراض العسكري لم تمر مرور الكرام على دوائر صنع القرار في تل أبيب. فالفيديوهات أظهرت الجنود يرددون:

“غزة، غزة، شعار النصر والصمود”، “جئت إليك يا عدوي لأصنع من دمائك ذخيرة”، “غزة رمز احتلال ودمار”.

وبحسب ما نقلته وسائل إعلام إسرائيلية، أثارت هذه المقاطع “حالة استنفار تحليلي” داخل المؤسسة الأمنية، التي اعتبرت أن المشكلة لا تكمن في التهديد العسكري المباشر—إذ لا مؤشرات على نية دمشق فتح جبهة قتال—وإنما في الرمزية السياسية والشعبية لهذه الهتافات، خصوصاً أنها تأتي في ذكرى “عيد التحرير” الذي يحتفل به السوريون بعد سقوط نظام الأسد العام الماضي.

هذه الهتافات، من وجهة نظر تل أبيب، تعكس عودة “المزاج الشعبي والعسكري السوري” إلى مربع العداء الصريح للاحتلال، بعد سنوات طويلة انشغل فيها السوريون بالحرب الداخلية. وهو تغيّر تخشى إسرائيل أن يمتد إلى بقية الشعوب العربية، خصوصاً مع تنامي الوعي الشعبي بقضية غزة.

السياق الميداني: توغّلات يومية وقصف متواصل

تزامن التصعيد الكلامي الإسرائيلي مع عمليات عسكرية على الأرض، حيث أصيب ثلاثة سوريين الثلاثاء برصاص الاحتلال خلال توغّل ليلي في بلدة خان أرنبة بريف القنيطرة، قرب خط فضّ الاشتباك. وجاء ذلك بعد أيام من قصف جوي مكثف في 28 نوفمبر الماضي على بلدة بيت جن، أدى إلى استشهاد 13 سورياً وإصابة آخرين، إثر اشتباك وقع أثناء محاولة الأهالي الدفاع عن أراضيهم.

هذه الهجمات باتت تتكرر بصورة شبه يومية في الجنوب السوري، ما خلق حالة احتقان واسعة في المحافظات المحاذية للجولان المحتل. وتتهم دمشق الاحتلال بخرق اتفاقية فصل القوات لعام 1974 بشكل ممنهج، وهي الاتفاقية التي أعلنت إسرائيل صراحةً أنها “لم تعد قائمة” بعد سقوط الأسد في ديسمبر 2024.

خوف الاحتلال من توحد الأمة: البعد الأخطر في المشهد

ورغم أن إسرائيل تبرّر تصعيدها العسكري بأنه “إحباط تهديدات” تنطلق من الأراضي السورية، فإن السبب الحقيقي وراء القلق يظهر جلياً في التحليلات الأمنية المسربة: الخوف من تشكّل لحظة عربية جديدة تتوحّد فيها الجبهات سياسياً وشعبياً حول قضية غزة.

فالهتافات القادمة من دمشق لا تمثل—بالنسبة لتل أبيب—مجرد موقف رمزي، بل تعيد إحياء سردية طالما خشيتها إسرائيل: أن تتحول غزة إلى عامل توحيد للشعوب والجيوش التي فرّقها الاستقطاب الإقليمي لعقود.

وترى إسرائيل أن البيئة الإقليمية بعد سقوط الأسد تغيّرت بشكل جذري:

  • عودة الجيش السوري كقوة منظمة بعد إعادة هيكلته.
  • التحالف الشعبي العربي الواسع الذي تشكل عقب مجازر غزة، والذي تجاوز الخلافات السياسية التقليدية.
  • تصاعد خطاب “الوحدة والمصير المشترك” في ساحات عربية مختلفة، من الأردن إلى لبنان وسوريا.

ولذلك، فإن تصريح شيكلي “الحرب حتمية” يعكس خوفًا بنيويًا داخل القيادة الإسرائيلية من أن تتطور الرمزية السورية الجديدة إلى جبهة مقاومة سياسية أو عسكرية، حتى وإن بقيت في إطار الدعم المعنوي لغزة.

دمشق بعد الأسد.. سردية جديدة تتحدى الاحتلال

منذ سقوط نظام الأسد في 8 ديسمبر 2024 إثر معركة “ردع العدوان”، تبنّت القيادة السورية الجديدة خطاباً أكثر صدامية تجاه الاحتلال. فالاحتفالات بذكرى “عيد التحرير” هذا العام حملت رسائل واضحة مفادها أن سوريا ما بعد الثورة ترى Gaza جزءاً من هويتها النضالية الجديدة.

وشهدت العاصمة دمشق الاثنين مسيرة عسكرية ضخمة ردد خلالها الجنود شعارات داعمة لغزة، في وقت لا يزال فيه القطاع يعيش تحت وطأة حرب إسرائيلية خلّفت أكثر من 70 ألف شهيد و171 ألف جريح خلال العامين الماضيين.

هذا المشهد أزعج تل أبيب التي اعتادت لعقود التعامل مع جبهة سورية “صامتة”. أما اليوم، فتخشى إسرائيل أن تتحول الجبهة إلى ساحة سياسية وشعبية معبّأة، حتى دون انخراط عسكري مباشر.

خلاصة: إسرائيل أمام مشهد إقليمي يتغير

يتضح من السياق العام أن تل أبيب لا تخشى السلاح السوري بقدر ما تخشى الروح الجديدة التي ظهرت في خطاب الجيش السوري. فالتغيير الحقيقي ليس في نوعية الهتاف، بل في اللحظة التي قيل فيها:

  • عام كامل على سقوط الأسد.

  • تصاعد الغضب الشعبي العربي من جرائم غزة.

  • إعادة تشكّل وعي جمعي موحد ضد الاحتلال.

ولذلك يبدو تصريح شيكلي محاولة استباقية لشيطنة أي اصطفاف عربي جديد قبل أن يتطور إلى واقع يغيّر معادلات القوة في المنطقة.

اقرأ أيضًا : تقرير أمريكي يحذر من انفجار الخلاف السعودي الإماراتي في اليمن وتداعياته الإقليمية.. لماذا في هذا التوقيت؟