في خطوة تكشف عن نية إسرائيل الواضحة لاستئناف الحرب على قطاع غزة، أعلن مكتب وزير حرب الاحتلال الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، أن الأخير وجّه الجيش إلى إعداد خطة شاملة لـ”هزيمة حركة حماس” في حال تجدد القتال، وذلك وفق ما نقلته وكالة رويترز.

يأتي هذا التصريح بعد أسابيع من إعلان وقف إطلاق النار الذي رعته الإدارة الأمريكية بقيادة الرئيس دونالد ترامب، ما يثير تساؤلات حول مدى التزام تل أبيب بالاتفاق، وعمّا إذا كانت تخطط فعلياً لمرحلة عسكرية جديدة تحت ذريعة الردع أو “استكمال الأهداف غير المنجزة”.

التصريحات الإسرائيلية تزامنت مع مواقف متشددة من الرئيس الأمريكي نفسه، الذي شدد على أن استمرار الهدوء في غزة “مرهون بالتزام حماس الكامل بالاتفاق”، ملوحاً بأن “إسرائيل ستعود إلى القتال بمجرد كلمة منه”، على حد قوله.

ورغم أن ترامب تحدث في اتصال مقتضب مع شبكة سي أن أن عن أهمية الدور الأمني الذي بدأت حماس تؤديه داخل القطاع، إلا أن لهجته اتسمت بنبرة تهديدية واضحة، أعادت التوتر إلى واجهة المشهد بعد قمة شرم الشيخ التي وُصفت بأنها بداية مرحلة “سلام مشروط”.

ترامب: الحرب قد تعود بكلمة واحدة

أدلى ترامب بتصريحات حاسمة قال فيها إنه “سيسمح لنتنياهو باستئناف العمليات العسكرية” إذا لم تلتزم حماس بالاتفاق، مؤكداً أنه لا يزال يحتفظ بسلطة القرار النهائي في هذا الملف. وأضاف:

“إذا رفضت حماس نزع سلاحها، فستعود إسرائيل إلى تلك الشوارع بمجرد كلمة مني، وإذا كان بوسعها القضاء عليهم، فسيفعلون ذلك”.

ورغم نبرته التصعيدية، أقر ترامب بدور إيجابي تقوم به حماس داخل القطاع، قائلاً إنها بدأت “تفرض النظام وتقضي على العصابات العنيفة”، في إشارة إلى الجهود الأمنية التي تبذلها الحركة لضبط الوضع الداخلي بعد شهور من الحرب.

وتأتي تصريحات ترامب بعد مرور يومين فقط على قمة شرم الشيخ للسلام، التي جمعت أكثر من عشرين زعيماً دولياً ونتج عنها توقيع “وثيقة اتفاق غزة” بين قادة مصر وقطر وتركيا والولايات المتحدة. وقد رحّب المشاركون حينها بوقف الحرب وبدء مرحلة إعادة الإعمار، إلا أن التطورات الأخيرة تشير إلى هشاشة هذا الاتفاق واحتمال انهياره في أي لحظة.

مقاومة غزة: لا مرحلة ثانية بعد

في المقابل، نفت المقاومة الفلسطينية ما أعلنه ترامب حول بدء المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار، ووصفت تصريحاته بأنها “غير صحيحة جملة وتفصيلاً”.

وقال مصدر قيادي في المقاومة، في تصريحات خاصة لموقع عربي21:

“مفاوضات المرحلة الثانية لم تبدأ بعد، ولم يجرِ أي تواصل من الوسطاء القطريين أو المصريين معنا حول ذلك، وكل ما يُقال لا يستند إلى أي واقع ميداني أو سياسي”.

وأكد المصدر أن الجهود الحالية تنصب على معالجة الانتهاكات الإسرائيلية المستمرة للمرحلة الأولى من الاتفاق، موضحاً أن “إسرائيل لم تلتزم بعد بإطلاق سراح الدفعات المتبقية من الأسرى الفلسطينيين، وأنها تماطل في تنفيذ البنود الإنسانية الخاصة بإدخال المساعدات ووقف الاعتقالات”.

وأضاف أن الوقت الحالي يُستنزف في محاولة “سد الثغرات” وضمان التزام الاحتلال بما تم التوقيع عليه في أكتوبر الجاري، مشيراً إلى أن المفاوضات الجديدة لن تبدأ قبل تثبيت المرحلة الأولى بشكل كامل.

ملف الأسرى.. عقدة التفاهمات

بحسب الخطة الأمريكية التي دخلت حيز التنفيذ في 10 تشرين الأول/أكتوبر، أفرجت إسرائيل عن نحو 250 أسيراً فلسطينياً محكومين بالمؤبد، إضافة إلى 1718 معتقلاً من قطاع غزة، بينما لا يزال أكثر من 10 آلاف أسير فلسطيني يقبعون في السجون الإسرائيلية.

وتؤكد تقارير حقوقية فلسطينية وإسرائيلية أن العديد من الأسرى يتعرضون للتعذيب وسوء المعاملة والإهمال الطبي المتعمد، ما أدى إلى وفاة عدد منهم خلال الأشهر الماضية، في حين تحاول المقاومة إدراج هذه الانتهاكات ضمن بنود المفاوضات المقبلة لضمان الإفراج عن النساء والأطفال والمصابين.

ويرى محللون أن قضية الأسرى تمثل “الاختبار الحقيقي” لأي اتفاق بين حماس وتل أبيب، إذ تعكس مدى جدية الاحتلال في الالتزام بالاتفاقات، أو استخدامه للملف كورقة ضغط سياسية وعسكرية لإضعاف المقاومة.

كما أن استمرار عمليات الاعتقال في الضفة الغربية وتوسيع الاستيطان يشكلان مؤشراً إضافياً على أن إسرائيل ما زالت تراهن على الحسم الأمني وليس الحل السياسي.

قراءة في المشهد القادم

تحمل دعوة كاتس للجيش لإعداد “خطة شاملة لهزيمة حماس” دلالات متعددة؛ فهي تعني عملياً أن المؤسسة العسكرية الإسرائيلية لا تزال ترى في الحرب خياراً قائماً، رغم الجهود الدبلوماسية المكثفة.

ويرى مراقبون أن الهدف من هذه التصريحات هو الضغط على المقاومة والوسطاء لإجبارهم على تقديم تنازلات في المراحل المقبلة من الاتفاق، خصوصاً فيما يتعلق بنزع السلاح أو إعادة هيكلة الأجهزة الأمنية في غزة.

لكن في المقابل، فإن تكرار الحديث عن “الخطة الشاملة” قد يكون أيضاً رسالة موجهة للداخل الإسرائيلي، لإرضاء اليمين المتطرف الذي يرفض الهدنة ويرى أن الحكومة فشلت في تحقيق “نصر حقيقي” على حماس.

ويشير هذا إلى أن القيادة الإسرائيلية تحاول موازنة التناقض بين الضغوط الأمريكية والدولية من جهة، والمطالب الداخلية المتشددة من جهة أخرى، في حين تستغل حماس هذا التباين لتعزيز موقفها السياسي والشعبي بعد صمودها الطويل في الحرب الأخيرة.

خاتمة

تبدو ملامح المرحلة المقبلة ضبابية بين التهدئة المؤقتة واحتمال العودة إلى القتال، إذ تُبقي إسرائيل على خيار الحرب مفتوحاً وتُعدّ له نظرياً، بينما تحاول حماس تثبيت الهدنة وتحقيق مكاسب إنسانية وسياسية.

وفي ظل غياب الثقة بين الطرفين وتضارب المواقف الأمريكية والإسرائيلية، يبقى مستقبل “اتفاق غزة” مرهوناً بتوازن القوى على الأرض، وبمدى قدرة الوسطاء على منع اندلاع جولة جديدة من الحرب التي لن تكون كسابقتها في حجم الدمار، بل في عمق التحولات السياسية التي قد تعيد خلط أوراق المنطقة بأكملها.

اقرأ أيضًا : غضب فلسطيني بعد اقتحام جندي إسرائيلي لمسجد في بيت حنينا بـ”الحذاء”