أثار اقتحام جندي إسرائيلي لمسجد الهجرة في بلدة بيت حنينا شمال القدس المحتلة، وهو يرتدي حذاءه أثناء أداء المصلين للصلاة، موجة غضب عارمة في الشارع الفلسطيني، وسط إدانات متصاعدة اعتبرتها القوى الوطنية والدينية “انتهاكاً صارخاً لحرمة المقدسات الإسلامية” وامتداداً لسياسة الاحتلال في تدنيس دور العبادة وفرض السيطرة الرمزية على الأماكن الدينية في المدينة المحتلة.

فيديو صادم وغضب شعبي واسع

تداول نشطاء فلسطينيون على منصات التواصل الاجتماعي مقطعاً مصوراً يُظهر الجندي الإسرائيلي وهو يدخل مسجد الهجرة مرتدياً حذاءه العسكري، بينما كان المصلون يؤدون صلاتهم في مشهد يعكس استفزازاً متعمداً لمشاعر المسلمين.

ورصد الفيديو محاولات الجندي دفع بعض المصلين وإخراجهم من الصلاة دون أي مبرر، وسط حالة من الصدمة والذهول داخل المسجد.

وأعرب ناشطون عن استنكارهم الشديد لما وصفوه بـ“تدنيس المسجد”، مؤكدين أن هذا الفعل يندرج ضمن السياسة الإسرائيلية الممنهجة لفرض السيطرة الأمنية على المساجد والمقدسات في القدس والضفة الغربية.

وكتب أحد النشطاء: “عندما يدخل الجندي بحذائه إلى بيت الله، فهذه ليست حادثة فردية، بل إعلان بأن الاحتلال لا يعترف لا بحرمة المسجد ولا بحرمة المصلين.”

كما أطلق نشطاء حملة رقمية تحت وسم #تدنيس_مسجد_الهجرة، طالبوا خلالها المؤسسات الإسلامية والدولية بالتدخل لحماية الأماكن المقدسة في القدس، ووقف الانتهاكات الإسرائيلية التي ازدادت وتيرتها منذ بدء الحرب على غزة في أكتوبر 2023.

انتهاك متكرر وتواطؤ رسمي

تعدّ حادثة بيت حنينا حلقة جديدة في سلسلة طويلة من الاعتداءات على المساجد في الأراضي الفلسطينية، إذ سبق أن اقتحم جنود الاحتلال مسجدًا في مدينة جنين قبل أيام، ودنّسوا المصاحف بداخله أثناء عمليات المداهمة.

ويقول مراقبون إن هذه الحوادث ليست “أخطاء فردية”، بل هي “سياسة ممنهجة” تتقاطع مع الفكر الديني الصهيوني الذي يسعى لطمس المعالم الإسلامية في القدس وتكريس رواية الهيكل المزعوم.

وتؤكد دائرة الأوقاف الإسلامية في القدس أن قوات الاحتلال كثّفت منذ بداية العام الجاري من اقتحاماتها للمساجد، خصوصًا في أحياء القدس الشمالية مثل بيت حنينا وشعفاط والعيسوية، حيث تنفذ المداهمات بدعوى “البحث عن مطلوبين” أو “حفظ النظام”، بينما الهدف الحقيقي هو ترهيب السكان وتقييد ممارسة الشعائر الدينية بحرية.

ويرى الكاتب المقدسي عبد الله صيام أن “دخول الجندي بحذائه إلى المسجد ليس مجرد إساءة دينية، بل هو فعل رمزي مقصود لإهانة المكان والإنسان في آن واحد”، مشيراً إلى أن الاحتلال يسعى عبر هذه الأفعال لتثبيت صورة المتحكم في تفاصيل الحياة اليومية للفلسطينيين حتى في أكثر الأماكن قداسة.

الاستيطان وتكريس السيطرة الدينية

يتزامن هذا الاعتداء مع تصعيد استيطاني جديد تمثل في إقامة مستوطنين كنيساً يهودياً على أراضٍ فلسطينية شرق قرية تقوع جنوب الضفة الغربية، ما اعتبره الفلسطينيون دليلاً إضافياً على مساعي تهويد متسارعة.

وقال رئيس بلدية تقوع تيسير أبو مفرح إن الكنيس أُقيم داخل بؤرة رعوية استولى عليها المستوطنون عقب اندلاع الحرب في غزة قبل عامين، مؤكداً أن “المبنى الوحيد في البؤرة المصنوع من الخرسانة هو الكنيس نفسه، في إشارة إلى دعم رسمي من الحكومة الإسرائيلية”.

وأشار إلى أن المشروع أدى إلى تهجير 25 عائلة فلسطينية كانت تسكن المنطقة، وحرمان 70 عائلة أخرى من أراضيها الزراعية، في وقت توثق فيه هيئة مقاومة الجدار والاستيطان أكثر من 7 آلاف اعتداء استيطاني خلال العامين الماضيين، أسفرت عن استشهاد 33 فلسطينياً وتهجير عشرات التجمعات البدوية.

ويرى مراقبون أن الاحتلال يسعى لخلق “توازن ديني زائف” في الضفة والقدس، عبر بناء الكنس داخل المستوطنات أو بالقرب من القرى الفلسطينية، في مقابل التضييق على المساجد وهدم بعضها أو إغلاقها لأسباب أمنية واهية.

مشهد مقدسي يلخص واقع الاحتلال

منذ بدء الحرب على غزة في أكتوبر 2023، تعيش القدس حالة من التوتر الديني والسياسي غير المسبوقة. فقد تحولت المساجد إلى ساحات اقتحام وتفتيش، فيما تمنع سلطات الاحتلال المصلين من أداء صلاة الجمعة في المسجد الأقصى إلا بتصاريح خاصة.

ويؤكد مقدسيون أن اقتحام مسجد الهجرة ليس سوى صورة مصغرة من المشهد العام في المدينة، حيث يتعرض الفلسطيني يومياً لانتهاكات على الحواجز وفي الأسواق وحتى داخل أماكن العبادة.

وتظهر البيانات الرسمية أن العمليات العسكرية الإسرائيلية في الضفة وغزة منذ اندلاع الحرب أسفرت عن استشهاد أكثر من 1050 فلسطينياً وإصابة نحو 10 آلاف آخرين واعتقال أكثر من 20 ألفاً بينهم 1600 طفل، في ظل صمت دولي متواصل.

وفي الوقت الذي يطالب فيه الفلسطينيون المجتمع الدولي بالتحرك، اكتفى رئيس السلطة محمود عباس ببيان مقتضب عبر فيه عن “استيائه الشديد” من الحادثة، دون اتخاذ أي خطوة عملية لمساءلة سلطات الاحتلال أو رفع القضية أمام المحافل الدولية، ما أثار موجة غضب جديدة ضده على المنصات الاجتماعية.

خاتمة

يمثل اقتحام جندي إسرائيلي لمسجد الهجرة في بيت حنينا بحذائه تجسيداً فجاً لطبيعة الاحتلال التي لا تقف عند حدود الأرض، بل تمتد إلى انتهاك الكرامة والرمز والعقيدة.

وبينما يحاول الاحتلال تصوير الأمر كحادث فردي، يدرك الفلسطينيون أنه فصل من فصول الصراع الطويل على هوية القدس ومقدساتها، حيث لم تعد المساجد في مأمن لا من القنابل ولا من الأقدام المدنسة.

ففي كل مرة يُقتحم فيها مسجد أو تُهدم فيه مئذنة، يتجدد السؤال في الوعي الجمعي الفلسطيني: إلى متى يُترك المسجد الأقصى ورفاقه بلا حماية، وإلى متى يظل العالم صامتاً أمام تدنيس لا يعرف حدوداً؟

اقرأ أيضًا : رغم الاتفاق.. استمرار جريمة الاحتلال في حصار غزة ومفوض “الأونروا” يدعو لتكثيف إدخال المساعدات الإنسانية