في تصريحات جديدة مثيرة للجدل، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أنه يعتزم “تسوية الوضع في غزة”، متعهّدًا بإنهاء الحرب الدائرة هناك منذ أكثر من عامين، في وقت كشف فيه عن معلومات مثيرة تتعلق بمصير بعض الأسرى الإسرائيليين المحتجزين لدى حركة “حماس”.

 التصريحات جاءت وسط تصاعد التوتر بعد الهجوم الإسرائيلي الأخير على قيادات الحركة في الدوحة، وما خلّفه من ارتدادات دبلوماسية على مسار الوساطة القطرية المدعومة أمريكيًا.

تشكيك في مصير الأسرى وتصعيد الخطاب السياسي

خلال مقابلة صحفية، رجّح ترامب مقتل اثنين من بين نحو عشرين أسيرًا لا يزالون لدى حماس في غزة، قائلاً: “أخبرت حماس أننا نريد استعادة رهائننا. لقد استعدنا جميع الأمريكيين حتى الآن، لكنني الآن أتحدث بشكل رئيسي عن الرهائن الإسرائيليين”.

ورغم عدم تقديمه أي أدلة أو تفاصيل استخباراتية تدعم مزاعمه، فإن تصريحاته أثارت موجة من التكهنات في وسائل الإعلام العبرية، التي رأت فيها محاولة لاستباق نتائج أي صفقة تبادل قريبة، وربما تمهيدًا لموقف أمريكي أكثر تشددًا تجاه حماس.

وفي الوقت نفسه، أوضح ترامب أن الولايات المتحدة “ستسوي الوضع في غزة”، دون أن يحدد ما إذا كان يقصد خطوات دبلوماسية أم تحركات عسكرية، وهو ما فتح الباب أمام تساؤلات واسعة في الأوساط السياسية والإعلامية حول طبيعة هذه “التسوية” واحتمالات انخراط واشنطن بشكل مباشر في النزاع إذا استمرت المراوحة في مسار التهدئة.

اجتماع مرتقب مع رئيس الوزراء القطري لإنقاذ الوساطة

تزامنت تصريحات ترامب مع إعلان البيت الأبيض عن لقاء مرتقب بينه وبين رئيس الوزراء القطري محمد بن عبد الرحمن آل ثاني في نيويورك، بعد أيام من الهجوم الإسرائيلي على قيادات حماس في الدوحة. وبحسب وكالة “رويترز”، لم يُعلن بعد عن توقيت الاجتماع أو جدول أعماله، لكن مصادر دبلوماسية رجّحت أن يدور حول “بحث تداعيات الضربة الإسرائيلية ومحاولة إنقاذ جهود الوساطة القطرية”.

ويأتي هذا اللقاء في وقت بالغ الحساسية، إذ أثار الهجوم على الأراضي القطرية استياءً دوليًا واسعًا، واعتبرته عواصم عربية وغربية “تصعيدًا خطيرًا” يهدد بجرّ المنطقة إلى فوضى أوسع، لا سيما أن قطر تستضيف قاعدة أمريكية كبرى وتؤدي دورًا محوريًا في التوسط بين الاحتلال وحماس منذ سنوات.

وكانت الطائرات الإسرائيلية قد استهدفت، الثلاثاء الماضي، قياديين بارزين من حماس في العاصمة القطرية، بينهم خالد مشعل وخليل الحية، إلا أن القادة نجوا بعد مغادرتهم موقع الاجتماع بدقائق، في حادثة وُصفت بأنها “فضيحة استخباراتية” و”مغامرة متهورة” قد تهدد كل قنوات التفاوض.

توتر أمريكي-إسرائيلي وخشية من تقويض الوساطة

ترامب أبدى امتعاضًا واضحًا من الضربة الإسرائيلية، واصفًا إياها بـ”العمل الأحادي الجانب الذي لا يخدم المصالح الأمريكية أو الإسرائيلية”، مضيفًا أن إدارته حاولت ثني حكومة الاحتلال عن تنفيذ العملية لكنها لم تُبلّغ بالقرار إلا في وقت متأخر جدًا.

هذا الموقف العلني، النادر من رئيس أمريكي معروف بدعمه غير المحدود لإسرائيل، عكس القلق المتنامي في واشنطن من أن تتسبب الضربة في تقويض الدور القطري كوسيط أساسي في ملف الأسرى ووقف الحرب.

وفي الاتجاه ذاته، اتهم رئيس الوزراء القطري الاحتلال بمحاولة “تخريب فرص السلام”، مؤكدًا في مقابلة مع شبكة “سي إن إن” أن بلاده “لن تتراجع عن دورها كوسيط مهما كانت الضغوط”، وأنها ستواصل جهودها للتوصل إلى وقف إطلاق النار وإطلاق سراح الأسرى الإسرائيليين، إلى جانب وضع خطة لإعادة إعمار غزة المدمرة.

انقسامات داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية

في موازاة ذلك، كشفت قناة “كان 11” العبرية أن العملية واجهت اعتراضات من كبار قادة الأجهزة الأمنية الإسرائيلية، بينهم رئيس الموساد ديفيد برنياع، الذي حذر من أن استهداف قطر “خطأ استراتيجي جسيم” قد ينسف كل جهود الوساطة ويعرقل أي تقدم نحو صفقة تبادل أسرى أو تهدئة طويلة المدى.

كما أوردت تقارير إسرائيلية أن رئيس الأركان إيال زامير ومستشارين عسكريين آخرين انتقدوا التوقيت، معتبرين أن المغامرة في الدوحة عرّضت العلاقات مع واشنطن للخطر وأضعفت الثقة مع الدوحة التي ظلت بوابة مركزية لأي اتفاقات محتملة مع حماس خلال السنوات الأخيرة.

خاتمة: دعم أعمى لإسرائيل رغم التوتر

رغم نبرة الانتقاد الظاهرة في تصريحاته، يبقى ترامب أحد أبرز الداعمين لآلة الحرب الإسرائيلية، وسبق أن تباهى مرارًا بأنه منح تل أبيب “الضوء الأخضر الكامل” خلال ولايته الأولى، بما في ذلك نقل السفارة الأمريكية إلى القدس وشرعنة الاستيطان في الضفة. لكنّ موقفه الأخير يشي بقلق سياسي أكثر من كونه تحولًا مبدئيًا، إذ يسعى إلى حماية النفوذ الأمريكي في ملف غزة ومنع إسرائيل من تفجير كل جسور التفاوض مع قطر.

وبينما يتحدث عن “تسوية الوضع في غزة”، يترقب العالم ما إذا كانت هذه التصريحات تمهّد لانخراط أمريكي أوسع، أم مجرد محاولة من ترامب لاستعادة زمام المبادرة سياسيًا في سباق الانتخابات الرئاسية، خصوصًا أنه يراهن دائمًا على صورته كـ”صانع صفقات” حتى في أكثر ملفات الشرق الأوسط اشتعالًا.

اقرأ أيضًا : تمرد داخل جيش الاحتلال: محاكمة جنود رفضوا العودة إلى غزة تكشف عمق الإنهاك النفسي والعسكري