في مشهد يتكرر بصورة باتت مألوفة داخل أقسام الشرطة والسجون المصرية، توفي الشاب عمرو جميل محمود محمد، البالغ من العمر 38 عامًا، بعد ساعات قليلة من القبض عليه واحتجازه داخل قسم شرطة 15 مايو بحلوان، في واقعة أثارت موجة من الغضب والتساؤلات حول حقيقة ما يجري خلف جدران أماكن الاحتجاز.

وفقًا لما أعلنته الشبكة المصرية لحقوق الإنسان، فقد ألقت قوة أمنية القبض على عمرو يوم الجمعة 13 فبراير أثناء وقوفه أمام منزله، دون إذن قضائي واضح، ودون أن يكون مطلوبًا على ذمة أي قضية. لم يكن له سجل جنائي، ويعمل محاسبًا في مصنع 99 الحربي، وكان معروفًا بين جيرانه وزملائه بحسن السمعة والاستقامة.

بعد أقل من 24 ساعة، فوجئت أسرته بإبلاغها بوفاته داخل الحجز، في ظروف غامضة، وسط ضغوط أمنية لتسجيل الوفاة على أنها “طبيعية”، في محاولة واضحة لغلق الملف قبل فتحه.

آثار تعذيب وتقارير طبية مثيرة للشكوك

عند استلام الجثمان من مستشفى النصر بحلوان، صُدمت الأسرة بوجود إصابات واضحة وكدمات منتشرة على جسد المتوفى، تشير إلى تعرضه لاعتداء جسدي عنيف داخل محبسه. هذه الإصابات لم تكن سطحية أو عابرة، بل بدت متناسقة مع نمط التعذيب الموثق في عشرات القضايا المشابهة خلال السنوات الماضية.

ورغم ذلك، صدر تقرير طبي أولي يُرجع الوفاة إلى “سكتة قلبية مفاجئة”، دون تقديم تفسير علمي مقنع، خاصة أن عمرو لم يكن يعاني من أي أمراض مزمنة، وكان يتمتع بصحة جيدة قبل ساعات فقط من اعتقاله.

إعادة مناظرة الجثمان بحضور النيابة أكدت وجود إصابات لا يمكن تجاهلها، ما دفع وكيل النيابة إلى إصدار قرار بإحالة الجثمان إلى مشرحة زينهم لتشريحه، في خطوة تعكس حجم الشكوك حول الرواية الرسمية.

تلفيق الاتهامات كأداة لتبرير الجريمة

لم تتوقف الانتهاكات عند حدود الاعتقال والوفاة الغامضة، بل امتدت إلى محاولة تشويه الضحية بعد موته. فقد فوجئت الأسرة بتحرير محضر داخل القسم يتهم عمرو بالاتجار في المخدرات وحيازة سلاح أبيض، وهي اتهامات نفتها الأسرة بالكامل.

هذا النمط من “التلفيق اللاحق” أصبح سياسة شبه ثابتة في التعامل مع ضحايا التعذيب، حيث يُستخدم لتبرير الاحتجاز غير القانوني، وإضفاء صبغة “إجرامية” على الضحية، تمهيدًا لغلق القضية أو تقليل التعاطف الشعبي معها.

وتؤكد شهادات الجيران وأقارب الضحية أنه تم القبض عليه من أمام منزله دون حيازة أي ممنوعات، ولم يُعرض على النيابة قبل وفاته، ما يجعل احتجازه من الأساس مخالفًا للقانون.

السادس خلال أسبوع.. مؤشر على أزمة منهجية

لا يمكن النظر إلى وفاة عمرو جميل باعتبارها حادثًا فرديًا أو استثناءً، إذ تأتي ضمن سلسلة متسارعة من حالات الوفاة داخل أماكن الاحتجاز، حيث تُعد الحالة السادسة خلال أسبوع واحد فقط، وفقًا لتقارير حقوقية.

هذا الرقم يعكس خللًا بنيويًا في منظومة العدالة الجنائية، ويشير إلى تحول التعذيب وسوء المعاملة من “ممارسات فردية” إلى سياسة غير معلنة، تُستخدم كأداة للترهيب وكسر الإرادة.

في معظم هذه الحالات، تتشابه السيناريوهات: اعتقال مفاجئ، منع الزيارة، وفاة سريعة، تقرير طبي غامض، ثم اتهامات ملفقة، وضغوط على الأسر للصمت مقابل تسهيلات إجرائية.

قمع السيسي وتوسيع صلاحيات الأجهزة الأمنية

تندرج هذه الانتهاكات في سياق أوسع من السياسات الأمنية التي ترسخت منذ وصول عبد الفتاح السيسي إلى الحكم، حيث شهدت مصر توسعًا غير مسبوق في صلاحيات الأجهزة الأمنية، مقابل تراجع شبه كامل في الرقابة القضائية والمحاسبة.

منذ عام 2013، أُغلقت المساحات العامة، وتم تجريم العمل السياسي والمدني، وتوسعت حملات الاعتقال العشوائي، لتشمل نشطاء وصحفيين ومواطنين عاديين، في إطار ما تسميه السلطة “الحرب على الإرهاب”، بينما تصفه منظمات حقوقية بـ”الحرب على المجتمع”.

في هذا المناخ، تحولت أقسام الشرطة إلى مناطق مغلقة، لا تخضع لرقابة حقيقية، ما سمح بتفشي ثقافة الإفلات من العقاب، وكرّس منطق “القبضة الحديدية” كبديل عن دولة القانون.

العدالة الغائبة ومسؤولية الدولة

رغم إحالة الجثمان إلى التشريح، تبقى المخاوف قائمة من تمييع القضية أو دفنها إداريًا، كما حدث في عشرات الملفات السابقة، حيث نادرًا ما تُحاسب قيادات أمنية في قضايا تعذيب.

غياب المحاسبة لا يهدد فقط حقوق الضحايا، بل يقوّض ثقة المجتمع في مؤسسات الدولة، ويُرسخ قناعة عامة بأن حياة المواطن باتت بلا قيمة داخل منظومة أمنية مغلقة.

قضية عمرو جميل تمثل اختبارًا حقيقيًا لجدية السلطات في احترام القانون، لكنها في الوقت ذاته تكشف هشاشة منظومة العدالة في ظل تغول الأجهزة الأمنية.

بين الخوف والغضب.. مجتمع تحت الضغط

أثارت الواقعة حالة من الغضب المكتوم بين المصريين، خاصة على منصات التواصل الاجتماعي، حيث عبّر كثيرون عن خوفهم من المصير نفسه، في ظل انتشار الاعتقال العشوائي.

هذا الخوف لا يعكس فقط القلق على السلامة الشخصية، بل يعكس أيضًا شعورًا جماعيًا بانسداد الأفق السياسي، وغياب أي آليات سلمية للمحاسبة أو التعبير.

في ظل هذا الواقع، تتحول كل وفاة داخل الحجز إلى رسالة ردع صامتة للمجتمع، مفادها أن الاعتراض أو حتى الصدفة قد تقود إلى مصير مجهول.

خاتمة: جريمة بلا ضمانات للمحاسبة

وفاة عمرو جميل ليست مجرد مأساة إنسانية لعائلة فقدت ابنها، بل هي حلقة جديدة في سلسلة طويلة من الانتهاكات التي تعكس طبيعة الحكم القائم على القمع والخوف.

ما لم تُفتح تحقيقات مستقلة وشفافة، وتُحاسب القيادات المسؤولة، ستظل هذه الجرائم تتكرر، وسيبقى المواطن المصري الحلقة الأضعف في معادلة أمنية لا ترى فيه سوى رقم في سجل أو ملف في درج مغلق.

وفي ظل استمرار هذا النهج، تظل العدالة مؤجلة، والضحايا بلا إنصاف، والدولة رهينة لسياسات تُعمّق أزماتها بدل أن تعالجها.

اقرأ أيضًا : العليمي: استعادة صنعاء وإفساد مشروع التقسيم في اليمن هدف المرحلة المقبلة