في خطوة تعكس محاولات إحياء المسار السياسي المتعثر، وصل وفد من حركة المقاومة الإسلامية (حماس) برئاسة القيادي خليل الحية إلى العاصمة المصرية القاهرة، لبحث إمكانية التوصل إلى هدنة مؤقتة مدتها 60 يوماً في قطاع غزة.
الزيارة جاءت بعد فترة جمود أعقبت انسحاب الوفدين الإسرائيلي والأمريكي من جولات التفاوض السابقة، وهو ما أوقف أي تقدم في ملف وقف إطلاق النار منذ أسابيع. مصادر مصرية أكدت أن المباحثات الجارية تستهدف تجاوز الخلافات بين الأطراف المتصارعة، وإعادة تفعيل قنوات التفاوض للوصول إلى صيغة اتفاق توقف العمليات العسكرية بشكل مؤقت، وتفتح الباب أمام ترتيبات أوسع تشمل تبادل الأسرى وإدخال المساعدات الإنسانية.
تزامن ذلك مع مصادقة حكومة الاحتلال على خطة تدريجية للسيطرة الكاملة على قطاع غزة، تبدأ بمدينة غزة المكتظة بالسكان، في مؤشر على أن التحركات السياسية تسير في ظل تصعيد ميداني يهدد فرص أي تهدئة ما لم تتوافر إرادة سياسية حقيقية من الجانب الإسرائيلي.

الوسطاء بين الضغوط والخيارات المعقدة
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي أوضح أن القاهرة تتحرك بالتنسيق مع قطر والولايات المتحدة لإحياء مقترح التهدئة لمدة 60 يوماً، على أن يتضمن وقفاً لإطلاق النار، والإفراج عن بعض الأسرى الإسرائيليين، وإطلاق عدد من الأسرى الفلسطينيين، إضافة إلى إدخال مساعدات إنسانية وطبية بلا قيود إلى القطاع.
وأشار الوزير إلى أن الجهود تستند إلى خطة أمريكية محدثة، وسط إدراك بأن الميدان لا يمنح الكثير من الوقت، وأن استمرار التصعيد سيؤدي إلى تعقيد أي مسار تفاوضي.
على الجانب الآخر، كشفت هيئة البث العبرية عن وجود انقسام في فريق التفاوض الإسرائيلي بشأن جدوى المضي في المحادثات، فيما تلوح تل أبيب بورقة شروط إضافية على رأسها نزع سلاح المقاومة، وهو مطلب تعتبره حماس خطاً أحمر.
كما تحدثت تقارير إسرائيلية عن أن المبادرة الجديدة قد تشمل “صفقة شاملة” لإطلاق سراح 50 إسرائيلياً مقابل نزع سلاح الحركة، وهو ما يتناقض مع مواقف حماس المعلنة التي ترفض التخلي عن سلاحها وتربط أي صفقة بإنهاء العدوان والانسحاب الكامل من القطاع.
هذه الأجواء تعكس أن الوسطاء، وعلى رأسهم القاهرة والدوحة، يواجهون معضلة مزدوجة: من جهة ضغوط أمريكية وأوروبية لإنتاج اتفاق قصير المدى يهدئ الجبهة، ومن جهة أخرى موقف فلسطيني يصر على ربط الهدنة بحزمة أوسع من الضمانات السياسية والإنسانية، وهو ما قد يطيل أمد التفاوض.
مرونة المقاومة وتواطؤ عربي صامت
على الرغم من شراسة الهجوم الإسرائيلي المستمر منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، والذي أسفر حتى الآن عن أكثر من 61 ألف قتيل و153 ألف مصاب، وأدى إلى نزوح مئات الآلاف وانتشار المجاعة التي أزهقت أرواح العشرات من الأطفال، تبدي المقاومة الفلسطينية قدرة واضحة على المناورة السياسية.
حماس، التي أعلنت مراراً استعدادها لإطلاق سراح الأسرى الإسرائيليين دفعة واحدة مقابل إنهاء الحرب والإفراج عن الأسرى الفلسطينيين، تدخل مفاوضات القاهرة وهي تدرك أن الميدان منحها أوراق قوة، أهمها صمودها العسكري واستمرار قدرتها على الرد رغم الحصار الخانق.
لكن في مقابل هذه المرونة السياسية التي تسعى لتحقيق مكاسب إنسانية وسياسية للشعب الفلسطيني، يظل الموقف العربي الرسمي مثار انتقاد واسع. فالتواطؤ، أو على الأقل الصمت، من بعض الأنظمة العربية إزاء العدوان، جعل من المبادرات السياسية الإقليمية أداة لإدارة الأزمة لا لحلها، إذ يتم التركيز على هدنة مؤقتة بلا أفق سياسي حقيقي، بينما تستمر آلة الحرب الإسرائيلية في تفريغ غزة من سكانها وتدمير بنيتها التحتية.
وبينما ينخرط الوسطاء في سباق مع الوقت لإقرار هدنة الستين يوماً، يبقى السؤال الأساسي: هل ستتحول هذه الهدنة – إن تمت – إلى مدخل لمسار سياسي يوقف الإبادة الجماعية ويؤسس لمرحلة إعادة الإعمار، أم ستكون مجرد استراحة مقاتل تمنح الاحتلال فرصة لإعادة ترتيب صفوفه لمواصلة عدوانه؟ الإجابة مرهونة ليس فقط بحسابات حماس وإسرائيل، بل أيضاً بمدى استعداد القوى الإقليمية، وعلى رأسها الدول العربية، للخروج من دائرة الصمت إلى مواقف فاعلة تدعم حق الفلسطينيين في الحياة والحرية.
اقرأ أيضًا : رصاصة الاحتلال تخترق حرية الصحافة.. العالم يدين اغتيال أنس الشريف