هل يمكن أن يتحوّل أعظم موسم روحي عند المسلمين إلى أداة للربح والاستغلال السياسي؟ يبدو أن الإجابة تأتي من قلب مكة والمدينة، حيث أعلنت الهيئة العامة للعناية بشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي أنّ عدد زوّار الحرمين الشريفين خلال شهر رمضان المنصرم بلغ رقما قياسيا مذهلا تجاوز 122 مليون شخص.

رقم ضخم يثير الدهشة والإعجاب في ظاهره، لكنه يحمل في طيّاته تساؤلات جوهرية حول طبيعة الإدارة السعودية لشعائر المسلمين، وحدود تحويلها من مناسك تعبّدية إلى مشاريع تجارية ضخمة تدرّ مليارات الريالات سنويا على خزائن آل سعود.

تقول الأرقام الرسمية إنّ 16.5 مليون معتمر و75.5 مليون مصلٍ في الحرم المكي و30 مليون مصلٍ في المسجد النبوي توافدوا خلال شهر رمضان فقط، في مشهد غير مسبوق من حيث الكثافة والتنظيم.

وتتباهى السلطات السعودية باستخدامها لتقنيات الذكاء الاصطناعي وحساسات متطورة لرصد حركة الزوار وإدارة الحشود، ضمن ما تعتبره “جهودا لتحسين تجربة الزائرين وضمان سلامتهم”. 

لكن خلف هذا المشهد التكنولوجي المذهل، تبرز انتقادات حقوقية ودينية تتهم النظام السعودي باستغلال قداسة الحرمين وتحويلها إلى أداة اقتصادية وأمنية لتكريس حكمه وتعزيز قبضته الحديدية داخليا وخارجيا.

واجهة التكنولوجيا وعمق الاستغلال التجاري

السلطات السعودية قدّمت روايتها التقنية بشكل احتفالي، مؤكدة أنها اعتمدت على “أنظمة ذكية” لرصد أعداد الزوّار في مداخل الحرم، وتعاونت مع جهات متعددة لتحسين إدارة الحشود.

خدمات صحية، نظافة متواصلة، شاشات تفاعلية، زي موحّد، مكتبات إلكترونية، وحتى أنظمة إضاءة محسّنة. كل هذا يُسوّق على أنه جزء من “تجربة روحية بصرية” فريدة.

لكن في المقابل، تكشف الهيئة الدولية لمراقبة إدارة السعودية للحرمين، عن وجه آخر أكثر سوداوية لهذا الموسم الرمضاني.

إذ أشارت الهيئة إلى أن النظام السعودي حوّل مناسك العمرة إلى سلعة نخبوية لا يقدر عليها إلا الأثرياء، مستشهدة بعروض فنادق وصلت إلى 74 ألف ريال لليلة الواحدة، بحجّة إطلالة بانورامية على الكعبة! وهو ما يشكّل نسفا جوهريا لمعنى العبادة في الإسلام، التي تقوم على المساواة والتجرّد من مظاهر الدنيا، لا تحويلها إلى تجربة “خمس نجوم” مدفوعة الثمن.

الهيئة وصفت هذه السياسة بأنها “إفراغ لجوهر العمرة من مضمونها الروحي”، عبر الترويج لموسم العمرة على أنه فرصة للاستجمام الفاخر، ورافد اقتصادي مهم للقطاع الخاص، فيما يُحرم مئات الملايين من فقراء المسلمين من أداء العمرة بسبب الغلاء الفاحش والاحتكار السعودي لإدارة الأماكن المقدسة.

موسم ديني أم منجم ذهب؟

حسب تقارير سعودية رسمية، مثل تقرير صحيفة “الرياض”، فقد أنفقت الحكومة “مليارات الريالات” على تهيئة المشاعر المقدسة، وأعطت الأولوية للمشاريع المتعلقة بالحرمين حتى في أوقات الأزمات الاقتصادية. 

وتزعم الصحيفة أن هذه المشاريع تسرّع وتيرة الإنشاءات ولكنها ترفع الكلفة إلى ثلاثة أضعاف، دون التوقف عند العوائد المالية الهائلة التي تعود على الدولة سنويا من هذا القطاع.

رؤية المملكة 2030 تستهدف رفع عدد الحجاج والمعتمرين إلى 30 مليون سنويا، لتحقيق ما تسميه “الحراك الاقتصادي”، الذي يشمل قطاعات الفنادق والطيران والمواصلات والتغذية والتجزئة. 

لكن هذه الأرقام تُخفي وراءها حقيقة دامغة: أنَّ الحج والعمرة تحوّلا إلى أكبر مصدر دخل غير نفطي للمملكة، ويتفوق أحيانًا – وفق بعض التقديرات – على إيرادات النفط نفسها.

وإذا كان النظام يزعم أن هذا العائد يصب في القطاع الخاص، فإن الواقع يقول إنّ القطاع الخاص نفسه خاضع تمامًا لسلطة الدولة، التي تجبي منه ضرائب ومكوسا مباشرة، كما حدث مع ما يُعرف بـ”معتقلي الريتز كارلتون”، حيث جمعت السلطات أكثر من 50 مليار ريال سعودي من رجال الأعمال البارزين، في مشهد يشبه “الجباية القسرية” أكثر مما يشبه محاربة الفساد.

من يحرّر الحرمين من الاستغلال؟

منذ سنوات، تتصاعد الأصوات في العالم الإسلامي مطالبةً بإعادة النظر في إدارة الحرمين، ووقف تحويل مناسك الحج والعمرة إلى موسم ربحي يُستخدم لأغراض سياسية وتجارية. 

فالدعوات لمقاطعة الحج أو على الأقل التنديد بإدارته السعودية، لم تعد حكرًا على المعارضة أو الحركات الإسلامية، بل باتت مطلبًا أخلاقيًا لمن لا يستطيع أن يتقبّل فكرة أن تصبح العبادة أداة لتثبيت عروش الظالمين.

وتتساءل هذه الدعوات: كيف يمكن أن نثق بمن يقتل المسلمين في اليمن وسوريا، ويطارد العلماء والدعاة في بلده، أن يكون “خادم الحرمين الشريفين”؟ وهل يُعقل أن تُترك إدارة أهم شعائر الإسلام رهينة لنظام يطبع مع الاحتلال الصهيوني، ويلاحق كل من يناصر المقاومة الفلسطينية بحجة “الإرهاب”؟

لم يعد مقبولا أن تستمر “قداسة الحرمين” في توفير غطاء أخلاقي لنظام يقمع الداخل ويؤذي الخارج، ويتربّح من دموع الحجيج وآهات المعتمرين. إنّ تحرير الحرمين من الهيمنة السياسية، ووضع إدارتهما تحت إشراف إسلامي مشترك، أصبح ضرورة شرعية قبل أن يكون مطلبًا سياسيًا.

فحين تُختزل رحلة الإيمان إلى فاتورة فندقية، ويتحوّل موسم الطهر إلى موسم استثمار، يصبح السؤال ملحًا: أين ذهبت الروح؟ ومن يعيد للحرمين هيبتهما… قبل أن تبتلعهم الأسواق.

اقرأ أيضًا : الخرطوم تحت الرماد: كيف ساهمت الإمارات في تدمير عاصمة السودان وخلق كارثة إنسانية غير مسبوقة