بقلم / عبد الله سالم

بينما يهرع المنقذون في كل مكان من العالم إلى حيث الكارثة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، يبدو أن قطاع غزة يشهد منطقًا مختلفًا، حيث بات المسعف نفسه هدفًا، لا ناجيًا. في تقرير صادم صدر عن مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، تم توثيق مقتل 185 من الكوادر الإنسانية العاملة في الخطوط الأمامية – 49 من الهلال الأحمر الفلسطيني، و136 من الدفاع المدني – على يد قوات الاحتلال الإسرائيلي منذ بداية الحرب في أكتوبر/تشرين الأول 2023.

الرقم لا يمثل مجرد إحصائية مرعبة، بل هو مؤشر دامغ على سياسة ممنهجة لتدمير البنية الإنسانية في القطاع. من يُفترض أنهم يحملون شعار “من أجل الحياة” أصبحوا يُقتلون بدم بارد، وفي معظم الأحيان، خلال تأدية عملهم الإنساني.

سياسة الأرض المحروقة لا تميز بين مقاتل ومسعف

الهجوم الأخير الذي استهدف منشأة تابعة لجمعية الهلال الأحمر الفلسطيني في خان يونس، وأدى إلى مقتل موظف وإصابة ثلاثة آخرين، ليس الأول من نوعه، بل هو استمرار لسلسلة طويلة من الاعتداءات على البنى التحتية الإنسانية. فمنشآت الإسعاف والمستشفيات والملاجئ ليست بعيدة عن مرمى نيران الاحتلال، بل باتت مستهدفة عمدا، تحت ذرائع واهية، أو دون تبرير أصلاً.

الاحتلال الذي يتذرع بـ”الدقة في استهداف المسلحين”، يُثبت مرة تلو الأخرى أنه يشن حربًا على كل ما هو مدني، بدءًا من الأطفال، مرورًا بالنساء، ووصولًا إلى رجال الإنقاذ. ويبدو أن الصورة التي يراد ترسيخها هي: “لا أحد بمنأى عن الموت في غزة”.

هذا الاستهداف المتكرر لمن يفترض أنهم ينقذون الأرواح يتجاوز كونه “خطأ غير مقصود”، بل يدخل في إطار جريمة حرب مكتملة الأركان، بحسب تعبير مكتب الأمم المتحدة، الذي طالب بـ”تحقيق مستقل” في كل هذه الحوادث، مشددًا على أن القتل المتعمد للعاملين في المجال الإنساني قد يرقى إلى جريمة حرب وفقًا للقانون الدولي الإنساني.

مجزرة إنسانية مزدوجة: القصف والتجويع

في موازاة القصف المستمر على الأحياء السكنية، تتصاعد جريمة التجويع الإسرائيلية ضد أكثر من مليوني فلسطيني محاصرين في القطاع. وفي أحدث حصيلة ميدانية، توفي 6 فلسطينيين خلال الساعات الماضية فقط بسبب الجوع وسوء التغذية، لترتفع حصيلة الضحايا إلى 175 شهيدًا، بينهم 93 طفلًا، أي أن أكثر من نصف الضحايا هم من الأطفال الذين كان يفترض أن ينعموا بالحياة لا أن يموتوا ببطء.

ويُشار إلى أن إسرائيل، ومنذ 2 مارس/آذار 2024، أغلقت جميع المعابر أمام المساعدات الغذائية والدوائية والطبية، في تحدٍ صارخ للقوانين الدولية والاتفاقيات الإنسانية، ما تسبب بتدهور مأساوي للأوضاع في القطاع، وانتشار المجاعة وانهيار البنية الصحية شبه التام.

المعطيات المرعبة التي تسجلها المستشفيات ومراكز التغذية تؤكد أن الاحتلال يتعمد تجويع الفلسطينيين كوسيلة حرب، وأن الموت جوعًا بات أداة ضغط في يد منظومة عسكرية لا تجد من يحاسبها.

غياب المحاسبة.. مفتاح الإفلات من العقاب

ما يزيد من سوداوية المشهد هو الصمت الدولي المريب، والتواطؤ الأمريكي العلني في جرائم الإبادة الجارية. فالدعم العسكري والسياسي الذي توفره واشنطن للاحتلال ليس مجرد “مساندة حليف”، بل هو ضوء أخضر للاستمرار في المجازر، وتجاهل متعمّد لتقارير الأمم المتحدة، ومنظمات حقوق الإنسان، وحتى محكمة الجنايات الدولية.

لقد تخطت جرائم الاحتلال في غزة حدود المعقول. فنحن أمام مذبحة مفتوحة لا تنتهي عند عدد الشهداء أو دمار البيوت، بل تصل إلى اغتيال الرمق الأخير للنجاة: كوادر الإنقاذ والإغاثة، هؤلاء الذين يُفترض أن يكونوا محميين باتوا في مرمى القنص.

الضمير العالمي على المحك

إن السماح باستمرار هذه الجرائم هو إفلاس أخلاقي للنظام الدولي الذي يدّعي الدفاع عن القانون وحقوق الإنسان. فهل هناك معيار أعلى لقياس الانحدار من سكوت العالم عن قتل 185 منقذًا؟ هل يمكن لأي نظام قانوني أو أخلاقي أن يبرر قتل مسعف يحمل المصاب على نقالة؟ أو إطفائي يبحث عن ناجٍ بين الأنقاض؟

الاحتلال لا يقتل الفلسطيني فقط، بل يقتل فرص إنقاذه، ومقومات صموده، ورموز إنسانيته.

خاتمة: هل ستبقى دماء المنقذين بلا عدالة؟

في الوقت الذي يطالب فيه مكتب حقوق الإنسان بتحقيق مستقل، ويصرخ الهلال الأحمر الفلسطيني من تحت الركام، لا تزال الآلة الحربية الإسرائيلية تواصل جرائمها بلا رادع. ويبقى السؤال: هل سيستيقظ الضمير العالمي ويلاحق الجناة؟ أم أن دماء 185 منقذًا ستُضاف إلى سجل طويل من الإفلات من العقاب؟

إذا كانت القوانين الدولية لا تحمي العامل الإنساني، وإذا كانت مهنة “المنقذ” صارت الأخطر في العالم، فماذا تبقى من الإنسانية أصلًا؟ وهل يمكن الحديث عن قيم في عالم يُقتل فيه من يحمل حقيبة إسعافات بدل البندقية؟

لقد سقطت كل الأقنعة، وبقي القتل وحده ناطقًا باسم الاحتلال.

اقرأ أيضًا : إسرائيل سُمّ على الساحة الدولية.. صحف عالمية تكشف انهيار الرواية الصهيونية وتهاوي الدعم الغربي