في تطوّر خطير يعكس تصاعد التوترات داخل المؤسسات الأمريكية بشأن الدعم العسكري لإسرائيل، كشفت وكالة رويترز عن صفقة سلاح مثيرة للجدل تضم أكثر من 20 ألف بندقية هجومية أمريكية مخصصة لإسرائيل، تم تعليقها في وقت سابق من قبل إدارة الرئيس جو بايدن، لكنها الآن تعود إلى الطاولة بقوة بدفع من الجمهوريين بقيادة دونالد ترامب.
الصفقة: بنادق هجومية بقيمة 24 مليون دولار
وفقًا للوثائق التي اطلعت عليها رويترز، فإن الصفقة التي تبلغ قيمتها 24 مليون دولار تشمل شحن أكثر من 20,000 بندقية هجومية إلى إسرائيل، بزعم استخدامها من قبل الشرطة الإسرائيلية. لكنّ هذا الاستخدام “الرسمي” لا يبدد المخاوف المتصاعدة في الأوساط السياسية والحقوقية، خاصة في ظل تصاعد الهجمات من جانب المستوطنين الإسرائيليين المتطرفين في الضفة الغربية المحتلة.
بايدن يعلّق.. وترامب يُسرّع
أبدت إدارة بايدن ترددًا ملحوظًا إزاء تمرير هذه الصفقة، على خلفية القلق من استخدام هذه الأسلحة ضد الفلسطينيين أو وقوعها في أيدي الجماعات الاستيطانية المسلحة. ورغم تصاعد العنف في الضفة الغربية، فضّلت إدارة بايدن التريّث، لا سيما مع تصاعد الضغوط المحلية والدولية ضد استخدام الأسلحة الأمريكية في انتهاكات حقوق الإنسان.
لكن الرئيس السابق دونالد ترامب لم يبدِ ذات التحفظات، بل على العكس، أسرع بإزالة كافة القيود على المستوطنين في اليوم الأول من ولايته، وواصل ضخ المليارات في صفقات تسليح مع إسرائيل خلال فترته الرئاسية، من بينها صفقات تشمل أسلحة ثقيلة ومتطورة.
السياق الميداني.. عنف متصاعد في الضفة
تأتي هذه التطورات في وقت يشهد فيه الضفة الغربية المحتلة تصعيدًا غير مسبوق في العنف من قبل المستوطنين، والذي تصفه تقارير الأمم المتحدة بـ”المنهجي والمتصاعد”. ومنذ بدء الحرب الإسرائيلية على غزة في أكتوبر 2023، ارتفعت الهجمات على الفلسطينيين في الضفة بشكل ملحوظ، وسط تقارير تشير إلى تواطؤ أو تغاضٍ من قوات الاحتلال.
الخشية الأبرز تكمن في أن هذه البنادق، المصنفة ضمن الأسلحة الهجومية، قد تُستخدم في قمع المدنيين أو تعزيز قدرات الميليشيات الاستيطانية، وهو ما يخالف القانون الدولي واللوائح الأمريكية الخاصة بتصدير الأسلحة.
الكونغرس: انقسام سياسي حاد
في خطوة لافتة، رفض الكونغرس الأمريكي، الخميس الماضي، جهودًا تقدم بها بعض الأعضاء لوقف صفقة أسلحة أخرى بقيمة 8.8 مليار دولار لإسرائيل. وهذا يعكس انقسامًا سياسيًا حادًا داخل المؤسسة التشريعية الأمريكية، بين من يرون في إسرائيل حليفًا استراتيجيًا لا غنى عنه، وبين من يطالبون بربط الدعم العسكري الأمريكي باحترام القانون الدولي وحقوق الإنسان.
ويثير هذا الانقسام تساؤلات جوهرية حول مستقبل العلاقات الدفاعية بين واشنطن وتل أبيب، لا سيما في ظل تنامي الأصوات الشعبية والسياسية المطالبة بمراجعة شاملة للدعم العسكري الأمريكي لإسرائيل.
هل تتحول البنادق إلى ورقة ضغط سياسية؟
من غير الواضح ما إذا كانت إدارة بايدن ستتمكن من الإبقاء على تجميد الصفقة، خاصة مع تصاعد الضغوط من اللوبيات المؤيدة لإسرائيل داخل الولايات المتحدة. لكن المؤكد أن هذه البنادق أصبحت رمزًا لصراع سياسي داخلي يتجاوز الشأن العسكري، ويمتد إلى قضايا الشرعية، وحقوق الإنسان، ومستقبل العلاقة مع الشرق الأوسط.
وإذا ما تم تمرير الصفقة كما هي، فإن ذلك سيكون بمثابة انتكاسة كبيرة لجهود الحد من عسكرة النزاع الفلسطيني الإسرائيلي، كما أنه سيعمّق الفجوة بين إدارة بايدن وقاعدة الحزب الديمقراطي، التي باتت أكثر حساسية تجاه الاستخدام السياسي والأمني للأسلحة الأمريكية في مناطق النزاع.
بندقية أمريكية.. على كتف مستوطن؟
في الوقت الذي يتحدث فيه البيت الأبيض عن “ضبط النفس” و”حل الدولتين”، تتحرك الصفقات في الاتجاه المعاكس تمامًا، ما يطرح تساؤلات عن جدية الإدارة الأمريكية في ممارسة ضغوط حقيقية على إسرائيل.
فهل تتحول البنادق الأمريكية من أدوات للشرطة إلى وسائل قمع ميداني؟ وهل بات الكونغرس رهينة للابتزاز السياسي من قبل جماعات الضغط؟
وهل تسير الولايات المتحدة نحو سياسة مزدوجة لا يمكن تبريرها أمام الرأي العام المحلي والدولي؟
الأسابيع المقبلة كفيلة بالإجابة.
اقرأ أيضا: بعد إلغاء تأشيرته.. ناشط مؤيد لفلسطين يغادر أمريكا تحت الضغوط