يدخل الشاعر المصري عبد الرحمن يوسف، اليوم، يومه الـ300 من الغياب القسري، منذ أن اختطفته سلطات الإمارات العربية المتحدة في واحدة من أكثر الحوادث إظلامًا في المشهد الثقافي العربي المعاصر. قرابة عشرة أشهر كاملة مرّت على هذا الغياب القسري دون أي إعلان رسمي عن مكان احتجازه أو حالته الصحية أو وضعه القانوني، رغم المناشدات المتكررة من منظمات حقوقية عربية ودولية للكشف عن مصيره.

عبد الرحمن يوسف ليس مجرد شاعر، بل هو صوتٌ حرٌّ ارتبط في وجدان المصريين والعرب بمفردات الثورة والكرامة والحرية. اشتهر بدفاعه عن قيم العدالة ومناهضته للاستبداد، وشارك بصوته وكلمته في التعبير عن نبض الشارع المصري خلال وبعد ثورة يناير. ولهذا لم يكن غيابه مجرد قضية شخصية، بل رسالة سياسية قمعية موجهة إلى كل صاحب رأي حر في المنطقة.

صوت الحقوقيين يعلو… والإمارات تلتزم الصمت

خلال الأشهر الماضية، ارتفعت الأصوات الحقوقية في أوروبا والعالم العربي مطالبةً بالكشف عن مصير الشاعر. فقد أصدرت منظمة العفو الدولية، وهيومن رايتس ووتش، وعدة مراكز عربية مستقلة بيانات متكررة تندد باحتجازه غير القانوني، معتبرةً أن ما يتعرض له يوسف هو إخفاء قسري يخالف كل الأعراف الدولية واتفاقيات حقوق الإنسان التي صادقت عليها الإمارات.

تؤكد تلك المنظمات أن استمرار احتجازه في مكان غير معلوم ودون تهمٍ رسمية يمثل انتهاكًا صريحًا للمادة التاسعة من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، التي تضمن لكل إنسان الحق في الحرية والأمان وعدم الاعتقال التعسفي.

لكن المفارقة أن السلطات الإماراتية التزمت الصمت الكامل، فلم تُصدر أي بيان رسمي يوضح موقفها أو يرد على تلك الاتهامات، مكتفية بسياسة التجاهل التي أصبحت سمةً مكررة في تعاملها مع قضايا الرأي.

قوة الكلمة في وجه الطغيان

“إن استمرار غياب الشاعر اعترافٌ بقوة الكلمة وتأثيرها في زمنٍ تُختبر فيه العدالة بالأفعال لا بالأقوال.”

بهذه العبارة تختصر منظمات حرية التعبير مغزى ما يجري. فاختطاف عبد الرحمن يوسف ليس عملاً معزولًا، بل هو جزء من حملة ممنهجة تستهدف المفكرين والكتاب والصحفيين الذين يعبّرون عن آرائهم بحرية، خصوصًا أولئك الذين ينتقدون الأنظمة السلطوية أو يفضحون تواطؤها مع الاستبداد في المنطقة.

لقد أدركت الأنظمة القمعية، ومنها النظام الإماراتي، أن الكلمة الحرة أقوى من السلاح، وأن القصيدة الصادقة قد تُشعل وعي الشعوب أكثر مما تفعل الجيوش أو البيانات الرسمية. ولهذا اختاروا إسكات الصوت بدل الرد عليه، واعتقال القلم بدل مناقشة أفكاره.

لكن كما تقول تجربة التاريخ، فإن الأفكار لا تُسجن، و”الحرية لا تؤجل”، و”الكلمة لا تُطفأ”، مهما طال الليل.

300 يوم من الغياب.. وذاكرة العدالة لا تموت

مرّت ثلاثمئة يوم على اختطاف الشاعر، لكنها لم تمر في صمت. فقد تحوّلت قضيته إلى رمزٍ عالمي لحرية التعبير المقموع. نظّم أدباء ومثقفون في المهجر فعاليات تضامنية، وأُطلقت حملات إلكترونية تطالب بالإفراج عنه، أبرزها وسم #الحرية_لعبدالرحمن_يوسف و**#أين_عبدالرحمن_يوسف**، الذي تصدّر المنصات العربية في أكثر من مناسبة.

وفي الوقت ذاته، ازداد الوعي العام بأن قضيته ليست استثناءً، بل تعبّر عن تزايد القمع العابر للحدود الذي تمارسه بعض الأنظمة العربية بالتنسيق فيما بينها، في انتهاك صارخ لسيادة القانون الدولي.

فقد تحوّلت الإمارات خلال السنوات الأخيرة إلى مركزٍ إقليمي للترحيل والاعتقال السياسي السري، سواء بحق ناشطين إماراتيين أو عرب مرّوا بأراضيها، وهو ما وثقته عشرات التقارير الحقوقية الدولية.

الحرية.. قضية وطن وشعب

قضية عبد الرحمن يوسف تجاوزت كونها حادثة فردية لتصبح اختبارًا أخلاقيًا للضمير العربي والدولي.

فالصمت أمام إخفاء شاعر بسبب قصيدة أو موقف يعني القبول بمنطق الغابة، حيث يُحاسب الإنسان على أفكاره لا على أفعاله.

إنّ ما جرى له يذكّر الجميع بأن الاستبداد لا يفرّق بين شاعر وصحفي أو معارض، بل يستهدف كل من يملك قدرة على التأثير أو تحريك الوعي الجمعي.

ورغم مرور الشهور، فإن الأمل لا ينطفئ. ما زالت الحملات مستمرة، والمطالبات تتصاعد، والأسماء الثقافية البارزة تتضامن مع قضيته، من القاهرة إلى لندن، ومن إسطنبول إلى نيويورك.

فكما يقول أحد أصدقائه: “ربما يستطيعون إخفاء جسده، لكنهم لن يستطيعوا إخفاء قصائده.”

خاتمة: الكلمة أقوى من الزنازين

مرّت 300 يومًا من الغياب، لكنها أيضًا 300 شهادة على عجز العدالة الرسمية وصمود العدالة الإنسانية.

فبينما تحاول الأنظمة دفن الحقيقة في الظل، تظل القصيدة التي كتبها الشاعر ذات يوم تتردد بين محبيه:

“إن الكلمة الحرة لا تُقتل، وإنها تولد من رحم القمع أقوى وأشد صفاءً.”

سيبقى عبد الرحمن يوسف حاضرًا في الوجدان الثقافي، رمزًا للكلمة التي لا تنكسر، ودليلًا على أن الظلم لا يدوم مهما طال أمده.

فالعدالة قد تتأخر، لكنها لا تنسى.

والحرية قد تُختطف، لكنها لا تُهزم.

اقرأ أيضًا : سفراء السودان يتوعدون بطرد “الدعم السريع” من الفاشر.. وإجرام الإمارات في دارفور يعود إلى الواجهة