في خطوة وصفها مراقبون بأنها امتداد لسياسة التنكيل بالمعارضين التي ينتهجها الرئيس التونسي قيس سعيد، أصدرت المحكمة الابتدائية بتونس – وتحديداً “الدائرة الجنائية المختصة بالنظر في قضايا الإرهاب” – حكماً بالسجن لمدة 34 سنة ضد رئيس الحكومة التونسية الأسبق والقيادي البارز في حركة النهضة، علي العريض، في ما يُعرف إعلامياً بملف “التسفير إلى بؤر التوتر”.
حكم ثقيل يأتي ضمن سلسلة أحكام بالجملة شملت عدداً من الشخصيات الأمنية والسياسية، ويعزز مخاوف المعارضة التونسية من استخدام القضاء كأداة لتصفية الخصوم.
![]()
محاكمة سياسية في عباءة الإرهاب
الملف الذي حُكم فيه على العريض لا يعدو كونه بحسب فريق الدفاع “توظيفاً سياسياً فاضحاً” لقضية الإرهاب لتصفية حسابات مع الخصوم السياسيين، خاصة المنتمين لحركة النهضة.
إلى جانب العريض، قضت المحكمة بسجن كل من المسؤولين الأمنيين السابقين فتحي البلدي وعبد الكريم العبيدي لمدة 26 سنة، كما تم الحكم على نور الدين قندوز وهشام السعدي بالسجن 36 سنة لكل منهما، وسيف الدين الرايس بـ24 سنة، وسامي الشعار بـ18 سنة.
خلال جلسة النطق بالحكم، أدلى علي العريض بشهادة مطولة قال فيها:
“خدمت البلاد بضمير ونزاهة، وواجهت التحديات ونجحت في أخطرها. لم أكن يوماً متواطئاً أو متساهلاً مع الغلو والعنف والإرهاب”.
وختم بشهادة لافتة تؤكد الطابع السياسي للمحاكمة:
“هذه المحاكمة ستُعاد أمام الله.. وأنا أنتظر البراءة وإنصاف الحقيقة.”
تصريحات العريض سلطت الضوء على عمق المأزق السياسي في تونس، حيث بات القضاء يُتهم بشكل متزايد بخرق مبدأ الحياد، ليتحول إلى ذراع تنفيذية في يد النظام ضد معارضيه.
القضاء تحت سطوة السلطة التنفيذية
المحامون المدافعون عن العريض أصدروا بياناً شديد اللهجة قبل جلسة النطق بالحكم، حذروا فيه مما أسموه “حملة تضليل وتشويه ممنهجة” سبقت صدور القرار القضائي، وأكدوا أن الحكم “يأتي تتويجاً لمسار ترويجي لسردية مفبركة تهدف إلى إلصاق تهم ملفقة بالمعارضين.”
وأشار فريق الدفاع إلى أن هذه الحملات تنطلق غالباً من منصات إعلامية مقربة من السلطة، وتهدف إلى التأثير في الرأي العام وتوجيه العدالة نحو نتائج معينة، مستفيدين من ما أسموه “الإفلات المؤقت من التبعات القانونية.”
ووفق تقارير حقوقية، فإن هذا النمط من القضايا، الذي بدأ منذ انقلاب 25 يوليو 2021، يُستخدم بشكل متكرر لتبرير سجن المعارضين، خصوصاً المنتمين لحركة النهضة، التي تعرضت لاعتقالات بالجملة شملت قياداتها التاريخية وعلى رأسهم راشد الغنوشي، المحكوم هو الآخر بالسجن 22 عاماً في قضية مشابهة.
النهضة في مرمى القمع.. والغنوشي نموذجاً
حركة النهضة، التي تُعد أبرز خصوم قيس سعيد، لم تسلم من الاستهداف المباشر منذ الانقلاب الدستوري الذي نفذه الأخير في صيف 2021، عندما جمّد البرلمان وأقال الحكومة واحتكر السلطات الثلاث. ومنذ ذلك الحين، دخلت البلاد مرحلة مظلمة من القمع السياسي، طالت الصحفيين والناشطين، ثم امتدت إلى قادة الصف الأول في المعارضة.
راشد الغنوشي، رئيس البرلمان المنحل، والرجل الأقوى في النهضة، تم الحكم عليه في أبريل 2024 بالسجن 22 سنة بعد محاكمة وُصفت بأنها “مسرحية قضائية” تفتقر لأبسط ضمانات المحاكمة العادلة. واليوم، يأتي الحكم على العريض ليؤكد أن السلطة ماضية في مسلسل الاجتثاث الكامل للمعارضة.
ويقبع العريض في السجن منذ سبتمبر 2022، بعد أن أصدر القضاء بطاقة إيداع ضده على خلفية قضية “التسفير”، التي تعود جذورها إلى فترة حكم الترويكا، حين كانت البلاد تعيش على وقع الفوضى الأمنية التي غذتها قوى إقليمية، لكنها تُحمّل اليوم بالكامل على عاتق شخصيات سياسية دون دليل مباشر.
قيس سعيد والعزلة السياسية المتزايدة
مراقبون يرون أن هذه الأحكام، بدل أن تعزز صورة الدولة في مكافحة الإرهاب، تُعمّق عزلتها السياسية داخلياً وخارجياً، وتكرّس انهيار الثقة بالقضاء الذي بات يُنظر إليه كذراع للقصر الرئاسي، لا كسلطة مستقلة.
وفي ظل غياب حوار وطني حقيقي، ومواصلة إغلاق المجال السياسي، يقترب المشهد التونسي من لحظة انفجار، خاصة مع تفاقم الأزمة الاقتصادية وارتفاع مؤشرات الفقر والبطالة، ما يدفع فئات واسعة من الشعب إلى إعادة التفكير في شرعية النظام القائم.
تصفية سياسية أم عدالة حقيقية؟
الحكم بسجن علي العريض 34 سنة يثير تساؤلات خطيرة حول مستقبل الديمقراطية في تونس، البلد الذي كان يوماً ما نموذجاً للتحول السلمي في العالم العربي. ومع توالي الأحكام الثقيلة على شخصيات معارضة بارزة، تتضاءل فرص المصالحة الوطنية، ويبدو أن قيس سعيد اختار نهج الإقصاء الكامل بدل بناء توافق سياسي حقيقي.
وفي ظل صمت المجتمع الدولي وحياد المؤسسات القضائية، يبقى المعارضون في تونس أمام قضاء لا يسمع، وشارع متردد، وسلطة ماضية في فرض الأمر الواقع بـ”القانون”. فهل يتحرك الداخل التونسي لكبح هذا الانحدار؟ أم أن الأحكام القادمة ستكون أكثر قسوة، وأقل عدلاً؟
اقرا أيضًا : تكميم الأفواه.. المجموعة الأفريقية تندد بتدخل تونس في السلطة القضائية