أعاد 57 محاميًا مصريًا فتح ملف اتفاقية “تيران وصنافير” المثيرة للجدل، عبر تقديم طعن قضائي جديد يطالب بإلغاء قرار نشر الاتفاقية في الجريدة الرسمية، معتبرين أن هذا النشر يمهد لتنازل فعلي عن الجزيرتين لصالح السعودية، وهو ما يخالف الدستور المصري، وتحديدًا المادة 151 التي تحظر التنازل عن أي جزء من الإقليم دون استفتاء شعبي.

هذا التحرك القانوني يأتي في وقت تتعاظم فيه الشكوك حول النوايا الحقيقية خلف هذه الاتفاقية، خاصة بعد تقارير عن رغبة ولي العهد السعودي محمد بن سلمان في تسليم السيطرة على الجزيرتين للولايات المتحدة وإسرائيل في إطار مشاريع إقليمية أوسع.

الطعن القضائي الجديد.. محاولة لوقف التنازل الرسمي

في خطوة جديدة قد تعيد إشعال المعركة القضائية حول تيران وصنافير، تقدم المحامي علي أيوب و56 محامياً آخرين، يوم السبت، بطعن أمام محكمة القضاء الإداري، يطالبون فيه بوقف تنفيذ قرار نشر اتفاقية ترسيم الحدود البحرية في الجريدة الرسمية. 

واعتبرت هيئة الدفاع أن هذا القرار ينطوي على مخالفة صريحة للدستور المصري، الذي ينص على ضرورة عرض اتفاقيات “الصلح والتحالف وما يتعلق بحقوق السيادة” على الاستفتاء الشعبي.

الطعن يطالب أيضًا بإلغاء كافة الآثار المترتبة على النشر، ما يعني سحب أي اعتراف رسمي بالسيادة السعودية على الجزيرتين، وضمان استمرارهما تحت السيادة المصرية. 

وهو ما يعيد التذكير بحكم تاريخي صادر عن المحكمة الإدارية العليا في يناير 2017، قضى ببطلان الاتفاقية، قبل أن يتم تجاهله لاحقًا بحجة تعارض اختصاصات المحاكم.

تيران وصنافير.. جزيرتان في قلب صراع سياسي وقضائي

منذ إعلان الاتفاقية في أبريل 2016، اشتعلت الساحة السياسية والقضائية في مصر، حيث اعتبرها قطاع واسع من الشعب والمعارضة “بيعًا لأرض مصرية”، وسط اتهامات مباشرة لعبد الفتاح السيسي بـ”التفريط في الأرض مقابل المال السعودي”. 

الاتفاقية تم تمريرها بعد سلسلة من الأحكام المتضاربة؛ فبينما أصدرت محكمة القضاء الإداري حكمًا ببطلان الاتفاقية، جاءت محكمة الأمور المستعجلة لاحقًا لتعطل تنفيذه، ليتحول الأمر إلى صراع بين سلطات الدولة الثلاث: التنفيذية، القضائية، والتشريعية.

ورغم أن البرلمان المصري أقر الاتفاقية في يونيو 2017 وسط اعتراضات قوية من نواب معارضين، فإن الجدل لم ينتهِ، بل تصاعد، خاصة في ظل استمرار رفض شعبي واسع لها، وصل إلى درجة خروج مظاهرات نادرة في الشارع المصري، وهي مظاهرات قمعتها قوات الأمن بشدة، واعتقلت على إثرها العشرات من النشطاء والسياسيين، متهمة إياهم بـ”التحريض ضد الدولة”.

محمد بن سلمان وخطط “التدويل”.. تسليم للهيمنة الأمريكية-الإسرائيلية؟

بعيدًا عن المشهد القضائي المصري، تزداد المؤشرات على أن السعودية، التي حصلت على السيادة على الجزيرتين رسميًا بعد إقرار الاتفاقية، لم تكن هي الهدف النهائي للسيطرة على هذا الموقع الجيوسياسي الحساس.

تقارير عدة تحدثت في السنوات الأخيرة عن رغبة ولي العهد السعودي محمد بن سلمان في دمج جزيرتي تيران وصنافير ضمن مشروعه الكبير “نيوم”، على أن يُفتح المجال لاحقًا لتواجد أمني إسرائيلي أمريكي في المنطقة، بحجة ضمان “أمن الملاحة في البحر الأحمر”، وهو ما من شأنه تحويل الجزيرتين إلى قاعدة استراتيجية تُضاف لمنظومة النفوذ الإسرائيلي في المنطقة.

يأتي هذا في سياق تطبيع العلاقات السعودية الإسرائيلية، التي تسير بخطى متسارعة، وإن كانت غير معلنة رسميًا. 

تيران وصنافير، بصفتهما مفتاح التحكم في مدخل خليج العقبة، تكتسبان أهمية بالغة في إطار أي ترتيبات أمنية إقليمية، خاصة مع قربهما من ميناء “إيلات” الإسرائيلي. 

ويخشى مراقبون أن تتحول الجزيرتان إلى ورقة ضمن “صفقة كبرى” تشمل منح إسرائيل وجودًا غير مباشر في مضيق تيران، مقابل دعم أمريكي لمشروع “نيوم” وتمكين سعودي في البحر الأحمر.

معركة مفتوحة بين السيادة والدكتاتورية

يُعيد الطعن الذي قدمه المحامون المصريون تسليط الضوء على إحدى أكثر القضايا المثيرة للانقسام في عهد الرئيس عبد الفتاح السيسي، والذي اتُهم مرارًا بـ”بيع السيادة مقابل الدعم السياسي والمالي الخليجي”.

اتفاقية تيران وصنافير لم تكن مجرد إجراء إداري، بل تحوّلت إلى اختبار حقيقي لاستقلالية القضاء، وصوت الشارع، وتوازن السلطات في الدولة.

أما اليوم، وبعد ثماني سنوات على توقيع الاتفاقية، فإن الطعن القضائي الجديد يمثل صرخة في وجه محاولات طمس الذاكرة الشعبية، وتأكيدًا على أن بيع الأرض لا يسقط بالتقادم. وبينما يمضي السيسي في تعميق تحالفاته الإقليمية على حساب الأرض والسيادة، يتبقى أن نرى ما إذا كان القضاء سيعيد تصحيح المسار، أم أن جزيرتي تيران وصنافير ستصبحان شاهدتين على زمن التفريط والصفقات المغلقة.

اقرأ أيضًا : أزمة طاقة مرتقبة في مصر.. ماذا يعني انسحاب 4 شركات عالمية من امتيازات البحر الأحمر؟