مع حلول الذكرى الأولى لاغتيال الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله، بدأت تتكشف تفاصيل جديدة عن العملية التي وُصفت بأنها “الأضخم والأدق” في تاريخ المواجهة بين إسرائيل وحزب الله. فبينما بدت العملية في ظاهرها ضربة جوية مركزة نفذها سلاح الجو الإسرائيلي، تكشف تقارير عبرية أن ما جرى كان تتويجًا لعملية سرية مركبة قادها جهاز الموساد، وانطلقت قبل أسابيع من القصف، بمزيج من التسلل البشري والتقنيات المتطورة والاستخبارات الدقيقة. هذه الرواية تضيف بعدًا جديدًا للحدث، إذ يظهر أن الاغتيال لم يكن مجرد قرار عسكري، بل ثمرة تخطيط طويل الأمد ومخاطرة عالية.

التسلل إلى “حارة حريك”

بحسب تقرير موسع نشرته صحيفة يديعوت أحرونوت بقلم الخبير العسكري رون بن يشاي، فإن المرحلة الأكثر خطورة في العملية جرت في أيلول/سبتمبر الماضي، عندما تمكن عملاء للموساد من التسلل إلى عمق الضاحية الجنوبية لبيروت، وتحديدًا إلى “حارة حريك” المعقل الأشد تحصينًا لحزب الله. جرى ذلك في ظل قصف جوي متواصل للمنطقة، ما جعل المهمة محفوفة باحتمالات الاعتقال من قبل عناصر الحزب أو الإصابة المباشرة بنيران الطائرات الإسرائيلية.

العملاء تسللوا إلى مبنى يعلو المقر السري للحزب تحت الأرض، حيث كان مقرراً أن يجتمع نصر الله مع الجنرال الإيراني عباس نيلبوروشان وقائد الجبهة الجنوبية علي كرشي. ووفق الصحيفة، فقد تم زرع أجهزة تقنية متطورة داخل المبنى، طُورت بالتعاون بين وزارة الحرب الإسرائيلية وشركات الصناعات العسكرية مثل “رافائيل” و”إلبيت”، لتكون بمثابة موجّهات دقيقة للذخائر الذكية نحو المخابئ الخرسانية المحصنة.

83 قنبلة ذكية لضمان “النجاح”

في مساء 27 أيلول/سبتمبر، وبعد اكتمال عملية التسلل وزرع الأجهزة، جاء دور سلاح الجو الإسرائيلي. شاركت طائرات إف-15 وإف-16 في الهجوم، وأسقطت 83 قنبلة زنة الواحدة منها طن كامل، في ما وصفته الصحيفة بأنه “إصرار من وزير الحرب يوآف غالانت على مضاعفة القوة التدميرية لمنع أي احتمال لنجاة نصر الله”. وهكذا تحولت الضاحية الجنوبية إلى مسرح لأعنف ضربة من نوعها، اعتمدت على الدمج الكامل بين الاستخبارات الميدانية والتفوق التكنولوجي والجوي.

التقرير أشار إلى أن العملية لم تسفر فقط عن اغتيال نصر الله، بل طالت أيضاً قيادات بارزة في الحزب، إضافة إلى الجنرال الإيراني ونحو 300 عنصر من حزب الله كانوا في محيط المقر. هذا العدد الكبير من الضحايا جعل الضربة وصفت بأنها “الأكثر دموية ودقة” في الصراع الممتد منذ عقود.

تداعيات فورية على قيادة الحزب

تصف يديعوت العملية بأنها أصابت حزب الله بـ”شلل مفاجئ”، إذ دفع اغتيال نصر الله القيادة إلى تسريع تعيين هاشم صفي الدين خليفة له، قبل أن يُقتل بدوره بعد أيام قليلة، ليخلفه نعيم قاسم. هذه الوتيرة السريعة في “قطع الرأس” أحدثت حالة ارتباك وصدمت صفوف الحزب، إذ بدا أن إسرائيل تنفذ استراتيجية متواصلة لإزاحة القيادة العليا دفعة واحدة، وهو ما أدى إلى فراغ قيادي غير مسبوق.

التقرير لفت أيضًا إلى أن العملية جاءت ضمن مسار طويل من الضربات الممهدة، شملت استهداف قيادات الصفين الأول والثاني، واغتيالات نفذت خلال الأشهر السابقة، ما جعل اغتيال نصر الله بمثابة “ذروة الدراما” التي غيرت قواعد اللعبة.

“درس عسكري” للعالم

لا يخفي التقرير الإسرائيلي افتخاره بما يسميه “عملية نموذجية” ستُدرّس في الكليات العسكرية العالمية، كنموذج في دمج العمل الاستخباري الدقيق مع القوة التكنولوجية والقرار السياسي الحاسم. الصحيفة وصفتها بأنها “الدراما التي غيرت وجه الشرق الأوسط”، معتبرة أن ما جرى لم يكن مجرد تصفية شخصية، بل ضربة استراتيجية هدفت إلى إعادة رسم ميزان القوى في المنطقة.

مع ذلك، لا يغفل التقرير الإشارة إلى أن حزب الله، رغم الضربة الموجعة، ما زال يمتلك قدرات صاروخية وطائرات مسيرة، خصوصاً في مناطق شمال نهر الليطاني، ما يجعل المواجهة مع إسرائيل مفتوحة على احتمالات تصعيد جديدة، وربما أكثر عنفاً.

خاتمة: نهاية رجل.. وبداية فصل جديد

بينما تؤكد إسرائيل أن “قصة نصر الله انتهت بالفعل”، فإن “قصة حزب الله لم تنتهِ بعد”. فالتنظيم لا يزال لاعباً أساسياً في الساحة اللبنانية والإقليمية، وما يملكه من ترسانة صاروخية وقدرات قتالية يجعله رقماً صعباً في أي مواجهة مقبلة. لكن ما يثير الاهتمام في تفاصيل العملية هو إظهار حجم الجرأة والتخطيط الذي مارسه الموساد، وكيف تداخلت الأبعاد الاستخباراتية مع العسكرية والسياسية لإنتاج عملية بهذا الحجم.

اغتيال نصر الله إذن لم يكن مجرد حدث في سياق صراع طويل، بل محطة فارقة تكشف عن مستوى جديد من الحرب الخفية بين إسرائيل وحزب الله، حرب تُدار بقدر ما تُعلن، وتُبنى على تفاصيل سرية قد لا يُكشف عنها إلا بعد مرور سنوات.

اقرأ أيضًا : تجنيد إسرائيل للعملاء في غزة: مليشيات برعاية الاحتلال تهدد النسيج الداخلي