تحت عنوان “لم يحضر أحد” عقدت الانتخابات البرلمانية في تونس استناداً إلى دستور البلاد الجديد الذي أقره الرئيس وقام بتمريره رغم عن أطياف الشعب التونسي.

وللمفارقة فإن الإنتخابات بدأت في يوم 17 ديسمبر وهو ذكرى شرارة الثورة التونسية التي أطاحت بالدكتاتور زين العابدين بن علي، الذي حكم تونس بالحديد والنار لكن على ما يبدو أن سعيد لم يتعلم من ذلك الدرس، بل إنه يعيد الكَرَّة مرة أخرى ويعيد إنتاج نفسه كديكتاتور جديد لتونس الخضراء.

ولعل عزوف الناخبين عن المشاركة بالانتخابات يحمل كثيراً من الدلالات، فالبعض فسره أنه عبارة عن حالة من اليأس تنتاب التونسيين لما وصلت إليه البلاد من تدهور اقتصادي وسياسي، والبعض الآخر فسره بأنه الهدوء الذي يسبق العاصفة وأن تونس بانتظار ثورة جديدة لا تبقي ولا تذر، وبين الحالتين يبقى قيس سعيد مخيب لآمال الفقراء الذي انتخبوه ومدمر لأحلام الثوار الذين حلموا بتونس الغد التي تختلف عن تونس الأمس والتي عاشت عصور تحت حكم ديكتاتوري.

تدهور الأحوال 

قبل الحديث عن المهاترات السياسية في تونس، وجب أن نسلط الضوء على حال الشعب التونسي الذي بات يعاني من أزمات كبيرة تعصف به، والتي يقف أمامها الرئيس عاجزاً أو نستطيع القول أنه لا يهبأ له بالاً، وسط نهمه للاستحواذ على السلطة بشكل مطلق.

خلال أعوام قليلة جعل سعيد تونس الخضراء دولة بلا دستور وبلا برلمان، وعطل عمل المؤسسات الحكومية لصالحه، وفي نفس تلك الأعوام العجاف جعل بلاده بلا خبز وأحيانًا بلا حليب أو دقيق، وشحت الحبوب والسلع الغذائية من الأسواق، واختفى السكر من المتاجر وعاش التونسيون شهورًا بلا أجور.

في عهد سعيد لم ترتفع سوى معدلات البطالة والفقر، وتم إغلاق المصانع التونسية وتسريح العاملين بسبب الضرائب الباهظة وارتفاع أسعار المحروقات كما أغلقت محطات الوقود وتعطل النقل الحكومي لفترات.

رزنامة سعيد 

على ما يبدو أن الرئيس أعد أجندته الخاصة في تونس، ليس لمواجهة كل تلك الأزمات والانتكاسات، بل من أجل الاستحواذ على السلطة والتنكيل بالمعارضين وتكريساً لحكم الرجل الواحد.

بالرجوع للوراء قليلاً بدأ سعيد خطته في 25 يوليو 2021 عبر إقالة حكومة المشيشي وتعطيل عمل البرلمان لمدة 30 يوماً، بعدها بشهر واحد أعلن تجميد البرلمان لأجل غير مسمى ووصفه بـ “الخطر على الدولة”.

في 29 سبتمبر كلف الموالية له “نجلاء بودن” بتشكيل الحكومة، والتي فشلت فشلاً ذريعاً في عدة ملفات منها التعامل مع أزمات الوقود وتأخير الأجور واختفاء السلع الأساسية وكذلك أزمة الدين الخارجي الذي ارتفع في يناير 2022 إلى 41 مليار دولار. 

لم ينته الأمر عند ذلك الحد، فقد قام سعيد في 5 فبراير 2022 بإعلان حل المجلس الأعلى للقضاء، ولم يلبث إلى أن أعلن حل المجلس النيابي في قرار وصفه الرئيس بالتاريخي.

في 22 إبريل أصدر الرئيس أمراً رئاسياً بتعديل القانون الأساسي وتركيبة الهيئة العليا للانتخابات، ومن خلالها عين مستشارين موالين إليه، وفي 19 مايو أصدر مرسوم بتشكيل الهيئة الوطنية الاستشارية من أجل جمهورية جديدة لإنجاز دستور جديد لتونس.

استمر سعيد في حصد السلطات، فقام في 30 يونيو بطرح مشروع الدستور الجديد لتونس والذي وضعه بنفسه ضارباً بمقترحات الهيئة عرض الحائط، حتى تم التصويت عليه في 25 يوليو بنسبة 27% فقط من الأصوات المهيئة للتصويت.

ومع إجراء الانتخابات النيابية التي أقيمت في 17 من ديسمبر الجاري عزف التونسيون أيضاً عن الحضور فبلغت نسبة الحضور 8.8% تقريباً بما يعادل 2% من إجمالي الشعب، وذلك إن دل فهو يدل عن انتخابات صورية أقامها سعيد لتمرير أهدافه من خلال برلمان لا يعبر عن الشعب التونسي.

الخلاصة أن قيس سعيد الرئيس التونسي أعد مخططاً محكماً من أجل السيطرة على مقاليد الحكم في تونس، التي باتت تعاني في حكمه اقتصادياً وسياسياً، لكن سكوت الشعب حتى الآن يدل أن الانفجار بات قريبًا وأن الثورة التي يحاول سعيد القضاء عليها آتية لا محالة.

اقرأ أيضاً : كيف يصنع دستور تونس 2022 من قيس سعيد فرعوناً جديداً ؟