في تصريح يعكس حالة الانحطاط السياسي والإعلامي في مصر، خرج الإعلامي إبراهيم عيسى، أحد أبرز أبواق النظام، ليقول إن دونالد ترامب يعلم جيدًا أن مصر “بلد غير ديمقراطي”، وأنه لا يعترف بشيء اسمه الرأي العام فيها، والطريقة الناجحة للتعامل معه هي وجود ديمقراطية حقيقية في بلدنا.

هذا التصريح، الذي يبدو للوهلة الأولى وكأنه انتقاد للنظام القائم، هو في الواقع تهديد مبطن لترامب، مفاده أن الديمقراطية الحقيقية في مصر لن تنتج نظامًا خاضعًا للولايات المتحدة وإسرائيل، بل ستأتي بقيادة وطنية مستقلة ترفض الخنوع السياسي والاقتصادي، كما حدث بعد ثورة 25 يناير 2011.

لكن المفارقة الصادمة أن هذا التهديد لا يأتي من معارض أو ناشط سياسي، بل من إعلامي رسمي يدرك تمامًا أن نظام السيسي لا يمكن أن يستمر إلا في ظل غياب الديمقراطية، وأن إعادة إحيائها ستطيح بكل أركان الحكم الحالي، تمامًا كما أطاحت بثلاثة عقود من حكم مبارك.

عندما يصبح التهديد بالديمقراطية سلاحًا بيد إعلام النظام

في سياق طبيعي، تكون الديمقراطية مطلبًا أساسياً للمجتمعات الباحثة عن الحرية، لكنها في مصر تحولت إلى “ورقة تهديد” تستخدمها أبواق النظام ضد من يوجهون الانتقادات إلى السيسي.

إبراهيم عيسى لم يكن يحاول الدفاع عن الديمقراطية، بل كان يلمّح إلى أن استمرار القمع الحالي هو الضمانة الوحيدة لبقاء مصر ضمن دائرة المصالح الأمريكية والإسرائيلية. فترامب، الذي يدرك تمامًا ما حدث بعد ثورة 2011، يعلم أن أي تجربة ديمقراطية حقيقية في مصر ستؤدي إلى إنتاج نظام يرفض التبعية العمياء، ويعيد رسم علاقات القاهرة الدولية وفقًا لمصالحها الوطنية، وليس وفق إملاءات واشنطن وتل أبيب.

25 يناير.. الذي لم ينتهِ بعد

منذ الإطاحة بمبارك، لم تتوقف محاولات إعادة عقارب الساعة إلى الوراء، لكن الحقيقة التي يخشاها النظام، وتدركها أمريكا وإسرائيل، هي أن ثورة 25 يناير لم تكن مجرد حدث عابر، بل زلزالًا سياسيًا لا يزال صداه يؤرق أركان الحكم حتى اليوم.

إسرائيل اعتبرت الثورة تهديدًا وجوديًا لأمنها، لأنها أنتجت قيادة سياسية مصرية أكثر استقلالية وأقل انبطاحًا للمطالب الإسرائيلية.

واشنطن اضطرت للتعامل مع مصر بطريقة مختلفة خلال فترة حكم الرئيس الراحل محمد مرسي، لأن النظام المنتخب شعبيًا لم يكن مجرد تابع يُملى عليه ما يفعل.

عودة الديمقراطية في مصر اليوم تعني انهيارًا تامًا لمعادلة “الاستقرار القمعي” التي فرضها النظام العسكري منذ 2013.

لهذا، فإن تصريحات ترامب الأخيرة التي تعكس نظرته الحقيقية للنظام المصري، دفعت أبواق النظام مثل إبراهيم عيسى إلى اللعب بورقة الديمقراطية كورقة ضغط، رغم أنهم يعلمون تمامًا أنها خط أحمر بالنسبة للسيسي وداعميه في الخارج.

ترامب.. هل عليه أن يخشى الديمقراطية في مصر؟

المفارقة الساخرة أن منطق إعلام النظام يقول: إذا لم يتوقف ترامب عن “إهانة” النظام المصري في تصريحاته، فقد يضطر السيسي إلى إعادة الديمقراطية، وهذا ما لا يريده ترامب.

لكن الحقيقة هي أن ترامب لا يحتاج إلى الرجاء أو الخوف من الديمقراطية المصرية، لأن النظام الحالي هو الذي يتكفل بإجهاض أي فرصة لعودتها.

الإعلام تحت السيطرة الكاملة للنظام، بعد أن تحولت القنوات والصحف إلى أدوات دعاية رسمية، المعارضة تم سحقها بالكامل، سواء بالاعتقالات أو الحملات التشويهية أو بالنفي القسري، كل من يجرؤ على الحديث عن الديمقراطية، حتى من داخل النظام، يُواجه بتهم التخوين والتآمر.

لذلك، فإن حديث إبراهيم عيسى عن الديمقراطية ليس إلا كوميديا سوداء تُظهر كيف تحول إعلام النظام إلى أداة دعائية تُهدد المجتمع الدولي بورقة يعلم الجميع أنها غير مطروحة على الإطلاق.

الواقع الذي لا يمكن تغطيته بالدعاية

رغم كل هذه المحاولات، فإن الحقيقة التي يدركها الجميع هي أن القمع السياسي ليس حلًا يوفر وجودا دائما لأي نظام، وأن أي نظام لا يستند إلى شرعية شعبية حقيقية لن يتمكن من الاستمرار للأبد.

قد يستطيع السيسي أن يقمع المعارضة، ويسيطر على الإعلام، ويشتري الولاءات داخليًا وخارجيًا، لكن كل هذا لن يغير الحقيقة الأساسية أن النظام القائم لا يمثل إرادة الشعب، بل فرض نفسه بالقوة.

أي انفتاح ديمقراطي حقيقي سيعيد إنتاج مشهد 2011، وسيقلب المعادلة السياسية بالكامل، مهما حاولت الأبواق الإعلامية الترويج لاستقرار زائف، فإن الأرض تغلي تحت أقدام النظام، وما يُقدم اليوم كواقع ثابت قد يصبح غدًا مجرد صفحة من الماضي.

تصريحات إبراهيم عيسى تعكس حالة الهلع داخل أروقة النظام، الذي يدرك أن أكبر تهديد لبقائه ليس ضغوطًا خارجية أو مؤامرات مفترضة، بل الديمقراطية ذاتها التي يحاول اليوم التلويح بها كتهديد لترامب.

في الواقع، إذا كانت الديمقراطية ورقة تهديد، فهي ليست موجهة لترامب أو أي طرف خارجي، بل للنظام نفسه، لأنه يدرك جيدًا أن أي انفتاح سياسي حقيقي سيعيد تشكيل المشهد بالكامل، ويفتح الباب أمام مرحلة لا مكان فيها للحكم الفردي والتبعية المطلقة.