في خطوة أثارت جدلاً واسعًا، قام وزير خارجية تونس، مبعوث الرئيس قيس سعيد، بزيارة مفاجئة إلى الإمارات العربية المتحدة قبل يوم واحد فقط من الإعلان الرسمي عن الأحكام القضائية الصارمة في قضية أنستالينغو، وهي القضية التي أثارت ضجة كبيرة في الأوساط الحقوقية والسياسية، وحظيت باهتمام إعلامي مكثف في الإمارات، حتى بدت وكأنها ملف داخلي يخص أبوظبي وليس تونس.
هذه الزيارة، التي جاءت في وقت تمر فيه تونس بأزمة اقتصادية خانقة وتصاعد غير مسبوق في انتهاكات حقوق الإنسان، تطرح العديد من التساؤلات حول الدور الإماراتي في صياغة المشهد السياسي التونسي، وما إذا كانت هناك ضغوط أو تفاهمات سرية بين البلدين لضرب المعارضة وتشديد القبضة الأمنية، خصوصًا ضد قيادات حركة النهضة التي تعتبر خصمًا تاريخيًا للإمارات بسبب ارتباطها بالإسلام السياسي.
قضية أنستالينغو: القضاء في خدمة السلطة؟
في 5 فبراير 2025، أصدرت المحكمة الابتدائية في تونس العاصمة أحكامًا ثقيلة بالسجن ضد 41 متهمًا في القضية المعروفة بـأنستالينغو، التي وُجهت فيها اتهامات تتعلق بـ”التآمر على أمن الدولة”، “نسبة أمر موحش لرئيس الجمهورية”، و”السعي لتغيير هيئة الدولة”.
أبرز الأحكام الصادرة:
- راشد الغنوشي، رئيس حركة النهضة، حُكم عليه بـ 22 سنة سجنًا وغرامة مالية قدرها 80 ألف دينار. الغنوشي، الذي كان رئيسًا للبرلمان قبل حله من قبل قيس سعيد، يُعد من أبرز المعارضين للنظام الحالي، وقد وُجهت إليه تهم تتعلق بالتحريض على الدولة، رغم أن محاكمته اعتُبرت من قبل أنصاره جزءًا من تصفية الحسابات السياسية.
- هشام المشيشي، رئيس الحكومة الأسبق، حُكم عليه بـ 35 سنة سجنًا، في واحدة من أكثر الأحكام إثارةً للدهشة، إذ لم يكن المشيشي سياسيًا صداميًا بقدر ما كان موظف دولة خدم في عهد سعيد نفسه قبل أن تتم الإطاحة به.
- رفيق عبد السلام، وزير الخارجية الأسبق، والذي يُعرف بعلاقاته القوية مع قطر وتركيا، نال 34 سنة سجنًا، في مؤشر على أن القضية ربما كانت لها أبعاد تتجاوز الداخل التونسي، لتصل إلى تصفية الحسابات بين المحاور الإقليمية.
- محمد علي العروي، الناطق الرسمي السابق باسم وزارة الداخلية، حُكم عليه بـ 13 سنة سجنًا، رغم أنه كان جزءًا من المنظومة الأمنية في عهود سابقة، لكنه تحول إلى خصم بسبب مواقفه الأخيرة.
- لزهر لونغو، المدير العام السابق للمصالح المختصة، حُكم عليه بـ 15 سنة سجنًا وغرامة مالية ضخمة وصلت إلى 300 ألف دينار، وهو ما يثير التساؤلات حول استهداف بعض الشخصيات الأمنية من قبل النظام الحالي.
هذه الأحكام لقيت استنكارًا واسعًا من منظمات حقوقية محلية ودولية، إذ وصفتها منظمة هيومن رايتس ووتش ومنظمة العفو الدولية بأنها محاكمات مسيسة تفتقر لأبسط معايير العدالة، فيما اعتبرت بعض الأحزاب المعارضة أن النظام يستغل القضاء كأداة لضرب الخصوم السياسيين وتصفية المعارضة بشكل ممنهج.
زيارة وزير الخارجية التونسي إلى الإمارات: ما الذي جرى خلف الكواليس؟
الزيارة الغامضة التي قام بها وزير الخارجية التونسي إلى الإمارات جاءت في توقيت حساس للغاية، مما فتح الباب واسعًا للتكهنات حول طبيعة التفاهمات التي جرت في الغرف المغلقة بين النظام التونسي وأبوظبي.
الأسئلة المطروحة:
- هل كانت الأحكام القضائية في قضية أنستالينغو جزءًا من صفقة مع الإمارات؟
بالنظر إلى التغطية الإعلامية المكثفة للقضية في وسائل الإعلام الإماراتية، يبدو أن هناك اهتمامًا غير عادي بهذا الملف من قبل أبوظبي، ما يثير التساؤلات حول مدى تأثير الإمارات على قرارات القضاء التونسي.
- هل تمت مناقشة ملف الاغتيالات السياسية، وخصوصًا قضية شكري بلعيد؟
تشير تقارير إلى أن الإمارات كانت مهتمة منذ سنوات بملف اغتيال المعارض التونسي شكري بلعيد، وأن المسؤول الإماراتي شخبوط بن نهيان آل نهيان قد يكون لعب دورًا في توجيه التحقيقات في هذا الملف. هل كان هذا الملف حاضرًا على طاولة المباحثات؟
- لماذا تسمح السلطات التونسية لمنصاتها الإعلامية بشن هجوم على سوريا؟
رغم أن العلاقات التونسية-السورية شهدت تحسنًا في السنوات الأخيرة، إلا أن الإعلام التونسي شن مؤخرًا هجومًا حادًا على مسؤولين سوريين. هل هذا الهجوم جزء من أجندة إماراتية تسعى لإرسال رسائل معينة إلى النظام السوري؟
- هل يسعى قيس سعيد لدعم إماراتي لتحسين صورته لدى الغرب؟
يواجه قيس سعيد انتقادات حادة من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي بسبب تدهور أوضاع حقوق الإنسان في تونس، خاصة فيما يتعلق بالتعامل مع اللاجئين والمهاجرين الأفارقة. هل يسعى سعيد إلى وساطة إماراتية لتحسين صورته لدى واشنطن واللوبيات الغربية؟
زيارة بلا نتائج ملموسة: مجرد مجاملات دبلوماسية؟
المثير للانتباه أن الإعلان عن هذه الزيارة جاء بعبارات فضفاضة، حيث جاء في بيان الخارجية التونسية أن اللقاء بحث سبل تعزيز العلاقات والتعاون بين البلدين بما يحقق مصالحهما المتبادلة، دون أي تفاصيل عملية.
أما بيان الخارجية الإماراتية، فلم يكن أكثر وضوحًا، إذ اكتفى بالإشارة إلى العلاقات الأخوية المتميزة بين البلدين، متمنيًا لتونس دوام الاستقرار والازدهار.
وسائل الإعلام الإماراتية ركّزت فقط على صورة الاجتماع، وعلى فيديوهات زيارة مبعوث قيس سعيد إلى المسجد الكبير، في مشهد يُذكر بزيارة سعيد إلى الصين عندما تم عزف لحن أغنية تونسية قديمة كنوع من الإلهاء الدعائي.
زيارة لخدمة سعيد.. لا التونسيين
في ظل هذه المعطيات، يبدو أن هذه الزيارة لم تكن تهدف إلى تحقيق أي مكاسب حقيقية للتونسيين، بل كانت خطوة لتعزيز التحالف الشخصي بين قيس سعيد وأبوظبي، في وقت يواجه فيه سعيد عزلة دولية متزايدة بسبب سياساته القمعية والفشل الاقتصادي الذي تعاني منه البلاد.
الشعب التونسي، الذي يكافح يوميًا لمواجهة ارتفاع الأسعار والبطالة وانهيار الخدمات الأساسية، لم يجد في هذه الزيارة سوى مزيد من الغموض والتساؤلات التي لا إجابات لها. فهل كانت هذه الزيارة بداية لمرحلة جديدة من التبعية السياسية للإمارات؟ أم أن سعيد يحاول اللعب بورقة التحالفات الخارجية للبقاء في السلطة؟
الأسئلة تظل مفتوحة، لكن المؤكد أن الإجابات لن تأتي بسهولة، خصوصًا في ظل غياب الشفافية وانعدام الرقابة على أداء الحكومة.