في قرية كوبر الهادئة قرب رام الله، وُلد نائل البرغوثي يوم 23 أكتوبر 1957، لكنه لم يكن طفلًا عاديًا، بل نشأ على المقاومة منذ نعومة أظافره، حيث شهد الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية عام 1967 وهو لا يزال صبيًا، فكان من أوائل من رفعوا الحجارة بوجه جنود الاحتلال مع شقيقه عمر وابن عمه فخري.
هذه الروح النضالية المبكرة لم تفارقه أبدًا، بل كانت الشرارة الأولى لمسيرة كفاح امتدت لعقود خلف القضبان.
في عام 1978، وكان لا يزال مراهقًا على أبواب اجتياز الثانوية العامة، اقتحم الاحتلال حياته بعنف، حين اعتُقل هو وشقيقه عمر وابن عمه فخري بتهمة مقاومة الاحتلال واغتيال ضابط إسرائيلي.
حكم عليه بالسجن المؤبد، ولم يكن يدري حينها أن الأسر سيكون قدره لأكثر من أربعة عقود، ليصبح لاحقًا أقدم أسير سياسي في العالم، ورغم ذلك، لم تكسر سنوات السجن الطويلة إرادته، بل جعلته رمزًا للصمود وعنوانًا للأسرى الفلسطينيين.

مناضل في وجه السجان
أمضى البرغوثي 34 عامًا متواصلة في الأسر، ليحطم الرقم القياسي في مدة الاعتقال داخل السجون الإسرائيلية، خلال تلك السنوات، تعرض لصنوف القمع والانتهاكات، لكنه ظل شامخًا لا يلين.
كانت زنازين الاحتلال قاسية، لكنها لم تنجح في كسر روحه فحوّل سنوات الأسر إلى محطة للتعلم والثقافة، كما أتقن اللغتين العبرية والإنجليزية، وكرّس نفسه للقراءة حتى أصبح مرجعًا ثقافيًا بين الأسرى، خاصة في التاريخ الفلسطيني.
في عام 2011، عانق نائل الحرية للمرة الأولى بعد الإفراج عنه ضمن صفقة “وفاء الأحرار”، التي أطلقت بموجبها المقاومة الفلسطينية سراح الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط مقابل أكثر من ألف أسير فلسطيني.
خرج نائل إلى الحياة فوجدها قد تغيرت، لكنه لم يضيع الوقت؛ تزوج الأسيرة المحررة إيمان نافع، وبدأ حياته من جديد بين أهله في كوبر، لكن الاحتلال لم يمنحه فرصة للعيش بسلام.
فُرضت عليه الإقامة الجبرية، وكان مطالبًا بالحضور كل شهرين إلى مركز قيادة جيش الاحتلال في مستوطنة بيت إيل لتوقيع “إثبات الوجود”، لم تكن حريته مكتملة، بل كانت مؤقتة.
لم يستطع الاحتلال تقبل وجوده خارج السجون، فأعاد اعتقاله عام 2014 خلال حملة اعتقالات واسعة استهدفت الأسرى المحررين في صفقة “وفاء الأحرار”.
حُكم عليه بالسجن 30 شهرًا، لكنه لم يخرج بعد انتهاء محكوميته، بل فوجئ بقرار الاحتلال بإعادة الحكم السابق بحقه، أي المؤبد و18 عامًا، بحجة “ملف سري” لم تكن هناك تهم جديدة، فقط رغبة إسرائيلية في الانتقام من رمز صامد لم ينكسر.
انتهاكات الاحتلال المستمرة وحرمانه من وداع أحبائه
عانى البرغوثي من قسوة السجن والانتهاكات المتكررة، لكن أكثر ما كان يؤلمه هو فقدان أحبائه دون أن يتمكن من وداعهم.
في عام 2004، توفي والده دون أن يُسمح له حتى بإلقاء نظرة الوداع، وتكرر المشهد ذاته عام 2005 مع والدته، التي رحلت دون أن تحتضن ابنها بعد سنوات الانتظار الطويلة. وكأن الاحتلال لم يكتفِ بذلك، ففي عام 2021، فقد نائل شقيقه عمر متأثرًا بإصابته بفيروس كورونا، ولم يُسمح له حتى بالمشاركة في جنازته.
لم تكن تلك الخسائر سوى جزء من الانتهاكات التي تعرض لها. فقد مُنع من زيارة زوجته، وحُرم من الدراسة الجامعية بعد أن بدأ دراسة التاريخ في جامعة القدس المفتوحة.
وعلى مدار سنواته الطويلة في الأسر، تنقل بين العديد من السجون، وخاض الإضرابات الجماعية والفردية عن الطعام احتجاجًا على المعاملة اللا إنسانية للأسرى الفلسطينيين.
رغم كل هذه الانتهاكات، لم يفقد نائل الأمل. ظل يوجه الرسائل من داخل السجن، داعيًا إلى وحدة الصف الفلسطيني، ومؤكدًا أن القضية الأساسية للأسرى لا يجب أن تُنسى وسط الصراعات الداخلية والتطورات السياسية.
طوفان الأقصى.. الطريق نحو الحرية
في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، انطلقت عملية “طوفان الأقصى” التي نفذتها المقاومة الفلسطينية، فكانت زلزالًا غير مسبوق أربك الاحتلال الإسرائيلي وأجبره على التفاوض تحت الضغط.
وبعد أشهر من المواجهات، نجحت المقاومة في فرض معادلة جديدة، لتتم صفقة تبادل أسرى تاريخية كان نائل البرغوثي أحد أبرز المحررين فيها.
في نوفمبر/تشرين الثاني 2023، وبعد 44 عامًا من الأسر، تنفس نائل الحرية أخيرًا، ليخرج من ظلام السجون إلى نور الوطن، وسط استقبال شعبي ضخم.
لكن الاحتلال لم يتوقف عن ممارساته القمعية، فمنع نائل من رؤية زوجته، وحاول وضع قيود جديدة عليه حتى بعد الإفراج عنه، حيث قام بإبعاده خارج البلاد.
خرج نائل البرغوثي ليكون شاهدًا على عصر طويل من النضال الفلسطيني، وليروي قصة شعب لم ينكسر رغم العقود الطويلة من القمع والاحتلال.
ورغم قسوة التجربة، ظل يحمل رسالة واضحة مفادها أن المقاومة وحدها هي الطريق نحو الحرية، وأن الأسرى ليسوا مجرد أرقام، بل هم رموز لنضال شعب بأكمله.
لولا “طوفان الأقصى”، لما خرج نائل البرغوثي من سجنه، ولظل الاحتلال يمارس بحقه أبشع أشكال القهر والقمع. لكن هذه العملية قلبت الموازين وأثبتت أن الاحتلال لا يفهم إلا لغة القوة، وأن الحقوق تُنتزع ولا تُمنح.