بقلم معتز السيوفي
في خطوة غير متوقعة هزّت الأوساط السياسية التركية، أطلق زعيم حزب العمال الكردستاني عبد الله أوجلان، دعوة غير مسبوقة لأتباعه من أجل إلقاء السلاح والاندماج في الدولة التركية.
هذه المبادرة التي جاءت تحت عنوان “دعوة للسلام والمجتمع الديمقراطي” أثارت ردود فعل واسعة بين مختلف الأطياف السياسية، ووضعت مستقبل النزاع المسلح الممتد لأكثر من أربعة عقود أمام منعطف حاسم.
دعوة أوجلان، التي حملت نبرة تصالحية تجاه السلطات التركية، جاءت في سياق تغيرات داخلية وإقليمية تجعل من إعادة تقييم أساليب المواجهة ضرورة حتمية لكل الأطراف المعنية.
عبر رسالته، شدّد أوجلان على أن الأتراك والأكراد حافظوا على تحالف تاريخي استمر لمئات السنين، لكن “الحداثة الرأسمالية” – بحسب تعبيره – عملت خلال القرنين الأخيرين على تفكيك هذا التحالف.
وفي تحول كبير عن خطابه التقليدي، دعا أوجلان حزبه لعقد مؤتمر يقرر فيه حل التنظيم المسلح، مشيداً بمواقف الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ورئيس حزب الحركة القومية دولت بهتشلي، الذين أعربوا عن ترحيبهم الضمني بالمبادرة.
جاءت هذه الخطوة بعد سلسلة لقاءات سياسية بين ممثلين أكراد ومسؤولين أتراك، تخللتها وساطات إقليمية ودولية، مما يعكس اتجاهاً واضحاً نحو البحث عن مخرج سلمي للصراع.

هل تغيرت موازين القوى؟
لم تأتِ هذه المبادرة من فراغ، بل جاءت بعد سلسلة تطورات سياسية متسارعة شهدتها تركيا خلال الأشهر الأخيرة.
كان التحوّل الأبرز في أكتوبر 2024، عندما قام زعيم حزب الحركة القومية، دولت بهتشلي، بمصافحة نواب حزب “DEM” الكردي في البرلمان، ودعا إلى منح أوجلان فرصة لدعوة حزبه لإلقاء السلاح مقابل ما سُمّي بـ “حق الأمل”، أي إمكانية حصوله على عفو جزئي.
هذا التطور كان بمثابة زلزال سياسي، نظراً لأن بهتشلي لطالما كان من أشد المعارضين لأي حوار مع حزب العمال الكردستاني.
تبع هذه المصافحة سلسلة من اللقاءات بين مسؤولين أتراك وأكراد، بما في ذلك لقاء وفد من حزب “DEM” مع أوجلان في سجنه بجزيرة إمرالي، وزيارات مكوكية إلى إقليم كردستان العراق وسوريا، حيث تم إيصال رسائل مباشرة من أوجلان إلى قيادات حزب العمال الكردستاني في جبل قنديل، بالإضافة إلى قيادات قوات سوريا الديمقراطية “قسد”.
كانت النقطة المفصلية في هذه المفاوضات هي إعلان حزب “DEM” عن أربعة عناوين رئيسية لحل القضية الكردية، تشمل إنهاء عزلة أوجلان، الاعتراف بحقوق الأكراد، تعزيز التعايش المشترك، والتخلي عن سياسات الحرب.
كيف استقبلت الأحزاب السياسية دعوة أوجلان؟
كان رد الفعل السياسي داخل تركيا متبايناً بين الترحيب الحذر والرفض القاطع، فبينما أبدى حزب العدالة والتنمية دعمه للمبادرة، مشيداً بأنها تمثل خطوة نحو “تركيا خالية من الإرهاب”، اتخذ حزب الحركة القومية موقفاً مؤيداً لكن بحذر، معتبراً أن المسألة تتعلق برؤية مدى التزام حزب العمال الكردستاني بالتخلي عن العنف.
في المقابل، قوبلت المبادرة بانتقادات حادة من أحزاب قومية أخرى، مثل حزب الجيد وحزب النصر، حيث اعتبر زعيم حزب الجيد، مساوات درويش أوغلو، أن الخطوة مجرد مناورة سياسية تهدف إلى تعزيز بقاء أردوغان في الحكم، فيما توعد حزب النصر بقيادة أوميت أوزداغ بإفشال أي عملية تفاوضية مع “تنظيم إرهابي”.
أما حزب الشعب الجمهوري، فقد رحّب بحذر بالدعوة، لكنه حذر من استغلالها لتحقيق مكاسب سياسية ضيقة، مشدداً على ضرورة أن يتم أي حل في إطار شفاف وبرلماني، وليس عبر اتفاقات غير معلنة بين السلطة والأطراف المعنية.
ردود الفعل الدولية: ترحيب أمريكي وألماني وتحفظ كردي
على الصعيد الدولي، وجدت دعوة أوجلان صدى إيجابياً، حيث رحبت بها الولايات المتحدة وألمانيا وإقليم كردستان العراق، معتبرين أنها تمثل فرصة لإنهاء عقود من العنف.
فقد وصف البيت الأبيض دعوة أوجلان بأنها “تطور مهم”، في حين أكدت الحكومة الألمانية أنها قد تشكل بداية لإنهاء العنف المرتبط بحزب العمال الكردستاني.
أما في إقليم كردستان العراق، فقد أعرب رئيس الإقليم نيجيرفان بارزاني عن دعمه للمبادرة، مؤكداً استعداد حكومته للعب دور الوسيط لإنجاح هذه العملية.
في المقابل، كانت ردود الفعل داخل قوات سوريا الديمقراطية “قسد” متباينة، حيث أكد قائدها مظلوم عبدي أن الدعوة موجهة لحزب العمال الكردستاني وليس لقواته، لكنه أشار إلى أن أي خطوة تدعم الاستقرار في المنطقة ستكون موضع ترحيب.
هل هذه نهاية حزب العمال الكردستاني؟
السؤال الأكبر الذي يطرح نفسه الآن هو: هل ستنهي هذه الدعوة حقبة العنف والصراع الممتد منذ أكثر من أربعين عاماً؟ يرى بعض المراقبين أن إعلان أوجلان يعكس إدراكاً متزايداً من الحزب بصعوبة الاستمرار في المواجهة المسلحة، خاصة في ظل الضغوط العسكرية والاقتصادية التي تمارسها تركيا على معاقل الحزب في شمال العراق وسوريا.
لكن من ناحية أخرى، لا يمكن تجاهل الانقسامات داخل الحزب نفسه، إذ إن هناك تيارات رافضة لأي شكل من أشكال المصالحة مع أنقرة، خصوصاً بين القيادات الميدانية التي لا تزال ترى في العمل المسلح الوسيلة الوحيدة لتحقيق أهدافها.
وإذا لم تتجاوب هذه القيادات مع دعوة أوجلان، فقد يؤدي ذلك إلى انقسام داخلي يعيد ترتيب المشهد الكردي في المنطقة.
بين التفاؤل والحذر
في ظل هذه التطورات، تبدو تركيا أمام منعطف تاريخي قد ينهي أحد أطول الصراعات في تاريخها الحديث.
لكن نجاح هذه المبادرة يعتمد بشكل أساسي على مدى استعداد جميع الأطراف للالتزام بها، والابتعاد عن الحسابات السياسية الضيقة التي أفشلت محاولات السلام السابقة.
إذا التزم حزب العمال الكردستاني بقرارات أوجلان، فإن المشهد الأمني في تركيا والمنطقة قد يشهد تحولاً جذرياً، لكن إذا فشلت المبادرة، فقد يكون الصراع المقبل أكثر تعقيداً من أي وقت مضى. في النهاية، يظل السؤال مفتوحاً: هل نحن أمام سلام دائم، أم مجرد هدنة تكتيكية ستنهار مع أول اختبار جدي؟