بقلم سامي شحاتة

درس في الإهانة العلنية: إذا كان هذا مصير زيلينسكي، فماذا عن الحكام العرب؟

المشهد الذي جرى في البيت الأبيض بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ونظيره الأوكراني فولوديمير زيلينسكي كان أكثر من مجرد خلاف سياسي، بل كان لحظة كاشفة لكل من يراهن على أمريكا كضامن لاستمراره في الحكم. زيلينسكي، الذي يُنظر إليه في الغرب على أنه “رجل المرحلة”، وبلاده تُعتبر جزءًا من المجال الأوروبي المسيحي، تعرض لإهانة علنية وملاسنة وبلطجة أمام الكاميرات، فكيف سيكون حال الحكام العرب إذا قعدوا بجانب ترامب؟

إذا كان زيلينسكي قد وصل إلى هذه الدرجة من الإذلال وهو الذي يقاتل على خط الدفاع الأول عن المصالح الغربية، فماذا عن الحكام العرب الذين لا يمتلكون حتى مشروعًا وطنيًا مستقلاً، ولا يرون أنفسهم سوى مجرد أدوات تُستخدم حين الحاجة وتُرمى عند انتهاء الدور؟

النظام المصري: الحليف الصامت الذي فقد القدرة على اتخاذ موقف مستقل

حول النظام المصري مصر إلى دولة بلا لون ولا طعم ولا تأثير في المعادلة الدولية، إذ لا يملك أي رؤية سياسية مستقلة، وينتظر دائمًا التعليمات من واشنطن لتحديد موقفه. هذا الغياب التام للمشروع الوطني جعله بلا وزن دولي حقيقي، رغم إمكانيات مصر الهائلة.

النظام السعودي: الدولة التي تدار بالتحكم عن بُعد من واشنطن

اتبع النظام السعودي السياسة الأمريكية بحذافيرها، من حرب اليمن إلى التطبيع إلى السياسات الاقتصادية التي تُدار بعقلية الشركات العابرة للحدود. لكن هل يظن بن سلمان في الرياض أنه بمأمن إذا قرر رئيس أمريكي متطرف أن مصالحه لم تعد تقتضي استمرار الدعم؟ هل يمتلك النظام السعودي بدائل حقيقية تحميه من تغير المزاج الأمريكي؟

النظام الإماراتي: العمود الفقري للمصالح الصهيونية في المنطقة

وضع النظام الإماراتي نفسه في خدمة إسرائيل علنًا، معتقدًا أن تحالفه مع تل أبيب سيمنحه حصانة أبدية. لكنه يتجاهل الحقيقة التاريخية: إسرائيل لا تحمي أحدًا، بل تستخدمه حتى ينتهي دوره، ثم تلقي به في مزبلة التاريخ، اليوم، يمارس النظام الإماراتي دور الوكيل للمصالح الصهيونية في المنطقة، لكنه في النهاية قد يجد نفسه في مهب الريح، كما حصل مع حلفاء أمريكا السابقين الذين تم التخلي عنهم بمجرد تغير الحسابات الجيوسياسية.

النظام الأردني.. تحالف هش قد ينقلب في أي لحظة

منذ سنوات، يعمل النظام الأردني على اللعب على التوازنات الدولية، محاولًا الحفاظ على علاقة جيدة مع واشنطن، وفي الوقت نفسه، تقديم نفسه كدولة محورية في الملفات الإقليمية، من القضية الفلسطينية إلى العلاقات مع إسرائيل. لكن هل يدرك النظام الأردني أنه في نهاية المطاف ليس أكثر من تابع هامشي في السياسة الأمريكية، يمكن التضحية به في أي لحظة إذا قررت واشنطن إعادة ترتيب أولوياتها؟

تاريخيًا، ظل النظام الأردني متكيفًا مع التحولات الأمريكية، لكنه لا يملك أدوات حقيقية تمكنه من الاستقلال بقراره السياسي، فهو لا يستطيع أن يعارض واشنطن في القضايا الكبرى، كما لا يستطيع أن يتجاهل تعليماتها. حتى في الملفات المتعلقة بالقضية الفلسطينية، يكتفي النظام الأردني بالمناورات السياسية، بينما يواصل التمسك بعلاقاته مع تل أبيب لضمان استمرار الدعم الأمريكي. لكن ماذا سيحدث إذا قررت واشنطن أن الأولوية لم تعد الحفاظ على النظام الأردني، بل إيجاد ترتيبات جديدة في المنطقة؟ هل سيجد الأردن نفسه بلا حماية بعدما جعل كل أوراقه في يد البيت الأبيض؟

إن الواقع يؤكد أن الرهان على واشنطن لم يجلب للنظام الأردني إلا المزيد من التبعية الاقتصادية والسياسية، وجعل الدولة أكثر هشاشة أمام أي تحولات مفاجئة في السياسة الأمريكية. تمامًا كما حدث مع أنظمة أخرى اعتقدت أن ولاءها المطلق لأمريكا سيحميها إلى الأبد، ثم وجدت نفسها فجأة بلا غطاء سياسي أو أمني.

لا أحد يدعو إلى العزلة.. لكن التعاون يجب أن يكون لصالح الشعوب

البعض قد يظن أن هذا الحديث هو دعوة للانكفاء والعزلة الدولية، لكن لا أحد يدعو إلى أن تنغلق الدول العربية على نفسها أو أن تعادي أمريكا أو غيرها من القوى الدولية. على العكس، يجب أن تحافظ كل الدول على علاقات جيدة مع كل دول العالم، بما في ذلك أمريكا، ولكن وفق معيار واضح للتعاون، وهو مصلحة وأمان وإرادة وحرية الشعوب العربية، وليس فقط بقاء الأنظمة في الحكم.

أما الأنظمة التي لا مشروع لها سوى الحفاظ على كرسيها، وهي مستعدة في سبيل ذلك للقتل والسجن والتعذيب والتهجير، فعليها أن تدرك أن رهانها خاسر. فواشنطن لا تحمي أحدًا إلى الأبد، وحين تأتي اللحظة التي تقرر فيها أن هذا النظام لم يعد يخدم مصالحها، فإنها ستتخلى عنه كما تخلت عن غيره، بل ستهاجمه حتى ينهار ثم تبيعه بثمن بخس في سوق المصالح السياسية.

 متى يتعلم العرب الدرس؟

مشادة زيلينسكي مع ترامب هي رسالة واضحة لكل حاكم عربي يعتقد أن بقاؤه في السلطة يعتمد على الرضى الأمريكي. إن لم يتعلموا الدرس اليوم، فقد يجدون أنفسهم في نفس المشهد، لكن دون حتى القدرة على الرد أو المقاومة.

العلاقات الدولية ليست خضوعًا، والتحالفات لا تعني الاستسلام. إذا لم يكن التعاون مبنيًا على مصلحة الشعوب، فإنه سيكون مجرد عبودية سياسية لا أكثر.