مع حلول شهر رمضان المبارك، تكتظ الصفحات الرسمية الإسرائيلية الناطقة بالعربية بالعديد من “التهاني” التي تنشرها جهات رسمية مثل جيش الاحتلال ووزارات الخارجية والإعلام والشتات، في محاولة لتحسين صورة الاحتلال الإسرائيلي لدى العرب والمسلمين. 

هذا التوظيف الدعائي يأتي في سياق جهود العلاقات العامة التي تسعى إسرائيل من خلالها إلى كسب الشرعية الدولية والتقليل من حدة الانتقادات الموجهة إليها.

ورغم أن هذه الرسائل تحمل طابعًا دبلوماسيًا، إلا أنها لا تعكس الواقع الحقيقي لسياسات الاحتلال. فبينما تحاول إسرائيل إظهار نفسها كدولة منفتحة تحترم الأديان، نجد في المقابل فتاوى صادرة عن كبار الحاخامات تدعو صراحةً إلى قتل الفلسطينيين والعرب، وتنظر إليهم على أنهم “أغيار” يمكن التخلص منهم وفق أسس دينية مشوهة. 

هذه الفتاوى ليست مجرد آراء دينية متطرفة بل هي جزء من البنية الفكرية التي تغذي الجيش والمستوطنين وتدفعهم لارتكاب الجرائم بحق الفلسطينيين دون أي رادع.

التحريض الديني ضد الفلسطينيين والعرب في الفتاوى اليهودية

تنتشر في الأوساط الدينية الإسرائيلية فتاوى متطرفة تحث على قتل الفلسطينيين وتبرر المجازر بحقهم، حيث يتم تصوير العرب والفلسطينيين على أنهم أعداء أبديون لليهود يجب القضاء عليهم. 

أحد أبرز الأمثلة على ذلك هو تصريح الحاخام شموئيل إلياهو في شباط/ فبراير 2023، حيث قارن زلزال تركيا وسوريا بـ”غرق المصريين في البحر” في القصة التوراتية، معتبراً أن هذه الكارثة “عدالة إلهية”.

إلياهو، الذي يتمتع بنفوذ واسع في الأوساط الدينية الإسرائيلية، زعم أن الزلزال جاء “لتطهير العالم”، في إشارة إلى تبرير الكوارث ضد غير اليهود باعتبارها عقابًا إلهيًا.

هذا النوع من الخطاب يعزز الاعتقاد بأن اليهود يتمتعون بحماية إلهية خاصة، وأن مصائب الآخرين ليست سوى تنفيذ لخطة إلهية تهدف إلى تقوية إسرائيل.

الحاخام أليعازر ميلاميد قدم تفسيرات أخرى لمفهوم “اليهودي المقدس”، حيث اعتبر أن “كل يهودي يُقتل لمجرد كونه يهوديًا فهو مقدس”، وأضاف أن عدد اليهود في فلسطين يجب أن يزداد من أجل القضاء على الفلسطينيين، معتبرًا أن وجود العرب في فلسطين هو سبب الهجمات ضد المستوطنين.

الفتاوى التوراتية كذريعة للقتل والتوسع

لا تتوقف الفتاوى التحريضية عند الدعوة إلى قتل الفلسطينيين فقط، بل تمتد لتبرير مشروع الاحتلال والتوسع الاستيطاني. 

الحاخام ميلاميد زعم أن “حدود إسرائيل” تمتد من نهر النيل إلى نهر الفرات، وهي رؤية تتلاقى مع الروايات الدينية المتطرفة التي تسعى إلى التوسع على حساب الشعوب العربية. 

هذا الطرح يعكس الأيديولوجيا الاستيطانية التي ترى في كل شبر من الأرض حقًا دينيًا لليهود، وتتعامل مع الفلسطينيين على أنهم عقبة يجب إزالتها.

في السياق ذاته، تعد الفتاوى الصادرة عن الحاخامات الإسرائيليين بمثابة غطاء ديني للعنف الممنهج ضد الفلسطينيين، حيث لم تتوقف الدعوات عند حد التحريض، بل شملت تبريرات لإبادة الفلسطينيين بالكامل.

في آذار/ مارس 2024، وأثناء العدوان على غزة، دعا الحاخام إلياهو مالي إلى “إبادة كل سكان غزة، بمن في ذلك الأطفال والنساء والمسنين”، مبرراً ذلك بأنهم يشكلون خطرًا على إسرائيل.

تمجيد الإرهابيين ودعم المجازر

من أبرز الأمثلة على الفتاوى الداعمة للإرهاب اليهودي، موقف الحاخام مئير مازوز، الذي أشاد بالمجزرة التي ارتكبها الإرهابي باروخ غولدشتاين في الحرم الإبراهيمي عام 1994، معتبراً أنها “حمت اليهود من خطر أكبر”.

كذلك، وصف السياسي الإسرائيلي المتطرف إيتمار بن غفير، غولدشتاين بأنه “بطل وقديس أنقذ حياة اليهود”.

في كتاب “شريعة الملك”، الذي ألفه الحاخام يتسحاق شابيرا ويوسيف أليتسيور، تم تقنين فتاوى تدعو إلى قتل غير اليهود، خاصة الفلسطينيين. 

يقدم الكتاب أساسًا دينيًا لتبرير القتل الجماعي، حيث ينص على أن “الله خلق هذا الكون من أجل اليهود فقط”، وأن “العرب يجب أن يُقتلوا في أوقات السلم كما في أوقات الحرب”.

الحاخام عوفاديا يوسف، الزعيم الروحي لحزب “شاس”، لم يكن أقل تطرفًا، فقد دعا عام 2001 إلى “إبادة العرب بالصواريخ”، واصفًا إياهم بأنهم “حشرات يجب التخلص منها”. 

هذه التصريحات لم تكن مجرد خطابات متطرفة، بل ساهمت في تشكيل العقلية العسكرية الإسرائيلية، حيث أصبح قتل الفلسطينيين جزءًا من العقيدة القتالية للجنود والمستوطنين.

التناقض بين الدعاية الإسرائيلية والخطاب الديني المتطرف

من الواضح أن التهاني الإسرائيلية بحلول شهر رمضان لا تعدو كونها دعاية سياسية تهدف إلى تحسين صورة الاحتلال لدى الرأي العام العربي والإسلامي، في الوقت الذي تنتشر فيه الفتاوى التحريضية التي تشرعن قتل الفلسطينيين وتبرر المجازر بحقهم.

إسرائيل تدرك تمامًا أهمية الصورة الإعلامية، وتسعى لاستغلال المناسبات الدينية لإظهار نفسها كدولة متسامحة، بينما هي في الواقع تنفذ سياسات تطهير عرقي مبررة بفتاوى دينية عنصرية.

هذا التناقض الصارخ يعكس الوجه الحقيقي للاحتلال الإسرائيلي، الذي يدمج بين القوة العسكرية والتبرير الديني لفرض مشروعه الاستيطاني.

الاحتلال والازدواجية الأخلاقية

يمكن اعتبار الفتاوى التحريضية الإسرائيلية جزءًا من منظومة أوسع تهدف إلى تطبيع العنف ضد الفلسطينيين وإضفاء شرعية دينية عليه.

هذا يفسر كيف أن الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة لم تتخذ أي خطوات جادة لمواجهة هذا الخطاب المتطرف، بل على العكس، نجد شخصيات سياسية بارزة تتبنى هذه الفتاوى وتروج لها.

في ظل هذه المعطيات، يجب التعامل مع الدعاية الإسرائيلية الرمضانية بوصفها جزءًا من حرب ناعمة تسعى إلى إخفاء الوجه الحقيقي للاحتلال. 

فالاحتفاء بالشهر الكريم لا يمكن أن يكون صادقًا من قبل دولة تحتل الأراضي الفلسطينية وتقتل سكانها بناءً على تفسيرات دينية عنصرية.

إن التعامل مع الاحتلال الإسرائيلي يجب أن يكون بناءً على أفعاله، وليس بناءً على خطابات دعائية زائفة. 

وإذا كانت التهاني الرمضانية تهدف إلى تحسين الصورة، فإن الفتاوى الصادرة عن الحاخامات، التي تدعو إلى الإبادة والتوسع، تكشف بوضوح حقيقة المشروع الصهيوني القائم على الإقصاء والعنف.

اقرأ أيضًا : نائل البرغوثي.. أقدم أسير في العالم يعانق الحرية بعد 45 عامًا في سجون الاحتلال