في خطوة تعكس تنامي الضغوط الدولية على الاحتلال الإسرائيلي، دعت خمس دول أوروبية أعضاء في مجلس الأمن – الدنمارك، فرنسا، اليونان، سلوفينيا، وبريطانيا – إسرائيل إلى احترام التزاماتها القانونية الدولية والسماح بتدفق المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة دون قيود.
وأكدت الدول في بيان مشترك، أن القيود التي تفرضها إسرائيل على دخول الإمدادات الإنسانية تشكل انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي، وتفاقم الأزمة الإنسانية التي يعاني منها الفلسطينيون في القطاع، خاصة في ظل الحصار المستمر والقصف الذي دمر البنية التحتية بشكل شبه كامل.
البيان الأوروبي شدد أيضًا على ضرورة الانتقال إلى مرحلة جديدة من وقف إطلاق النار والإفراج عن الأسرى، في إشارة إلى الجهود التي تُبذل على المستويين الإقليمي والدولي لإيجاد حل مستدام للصراع.
كما أشاد بالدور الذي تلعبه بعض الدول العربية في محاولة التوصل إلى توافق دولي حول مستقبل غزة، رافضًا أي محاولات لفرض واقع جديد قائم على التهجير القسري للفلسطينيين، وهي سياسة تنتهجها إسرائيل تحت ذرائع مختلفة منذ بداية عدوانها الأخير.

انتهاكات الاحتلال وسياسة العقاب الجماعي
منذ بدء الهدنة، كثّف الاحتلال الإسرائيلي من سياساته القمعية تجاه الفلسطينيين في غزة، حيث تعمد عرقلة دخول المساعدات الغذائية والطبية، في محاولة لفرض واقع جديد يُخضع سكان القطاع لسياسة “التجويع والتركيع”.
التقارير الصادرة عن منظمات حقوقية دولية تشير إلى أن الجيش الإسرائيلي يستخدم تجويع المدنيين كسلاح حرب، وهو ما يُعد انتهاكًا صارخًا للقانون الإنساني الدولي واتفاقيات جنيف.
على مدار الأشهر الماضية، فرضت إسرائيل إجراءات تعسفية على المعابر، مما أدى إلى نقص حاد في الإمدادات الغذائية والدوائية، وهو ما أدى إلى تفاقم الأوضاع الإنسانية، وسط تحذيرات من كارثة غير مسبوقة.
منظمة الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية (OCHA) وصفت الوضع في غزة بأنه “مأساوي”، مشيرة إلى أن أكثر من 80% من السكان يعتمدون على المساعدات للبقاء على قيد الحياة، في حين أن إسرائيل لا تزال تتلاعب بدخول الإمدادات وتفرض شروطًا قاسية على وصولها، وهو ما يعكس نهج الاحتلال في استخدام “المجاعة الجماعية” كأداة للضغط السياسي والعسكري.
التحركات الدولية وضرورة إنهاء الحصار
التحرك الأوروبي الأخير يعكس تزايد القلق الدولي من استمرار الانتهاكات الإسرائيلية، لكنه لا يزال ضمن إطار المواقف الدبلوماسية التي لم ترقَ بعد إلى مستوى الضغوط الفاعلة لإجبار الاحتلال على تغيير سياسته.
في المقابل، تسعى بعض الدول العربية بالتنسيق مع الأمم المتحدة إلى بلورة خطة شاملة تتضمن ترتيبات لوقف دائم لإطلاق النار، وإعادة الإعمار، وإدارة القطاع بشكل يضمن عدم تكرار سيناريو الدمار الحالي.
إلا أن الاحتلال لا يزال يماطل في تنفيذ أي اتفاقيات أو تفاهمات من شأنها أن تخفف معاناة الفلسطينيين، ويراهن على عامل الوقت لفرض رؤيته للحل، والتي تقوم على إبقاء غزة تحت الحصار المشدد، مع التحكم في مواردها ومعابرها.
في هذا السياق، تتزايد المطالب الدولية بضرورة فرض عقوبات على إسرائيل، وإجبارها على الالتزام بالقانون الدولي، خصوصًا في ظل الأدلة المتزايدة على ارتكابها جرائم حرب، وهو ما دفع العديد من الدول والمنظمات الحقوقية إلى الدعوة لفتح تحقيقات دولية ومحاسبة المسؤولين عن هذه الجرائم.
هل تنجح الضغوط الدولية؟
يبقى السؤال الأبرز: هل ستؤتي هذه التحركات الأوروبية ثمارها؟ أم أن الاحتلال الإسرائيلي سيواصل تحديه للقانون الدولي بدعم أمريكي غير مشروط؟ حتى الآن، لم تظهر أي مؤشرات على استعداد إسرائيل للتراجع عن سياستها القمعية في غزة، لكنها بالتأكيد تواجه ضغوطًا متزايدة، سواء من الشارع الأوروبي الذي يشهد احتجاجات متزايدة ضد جرائم الاحتلال، أو من بعض الحكومات الغربية التي بدأت تدرك أن دعمها المطلق لإسرائيل قد يكلفها خسائر دبلوماسية وسياسية.
في ظل هذه المعطيات، تبدو المعركة السياسية والدبلوماسية حول غزة في أوجها، لكنها لن تحقق نتائج فعلية إلا إذا تحولت التصريحات إلى خطوات عملية تجبر الاحتلال على إنهاء جرائمه ورفع الحصار، وهو ما يتطلب إرادة دولية أقوى من مجرد بيانات الإدانة والاستنكار.