كشف تحقيق أجراه موقع “ميدل إيست آي” البريطاني عن دعم سعودي وإماراتي كبير لشركة “أفينيتي بارتنرز”، التي يملكها جاريد كوشنر، صهر الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب.
هذه الشركة الاستثمارية متورطة في دعم وتمويل شركات إسرائيلية تعمل داخل المستوطنات غير الشرعية في الضفة الغربية المحتلة، وهو ما يتعارض مع القرارات الدولية التي تدين الاستيطان باعتباره انتهاكًا للقانون الدولي.
يؤكد التقرير أن السعودية والإمارات قدمتا مليارات الدولارات لـ “أفينيتي بارتنرز” عبر صناديق الثروة السيادية، رغم أن هذه الشركة استحوذت على حصة تقدر بنحو 10% من شركة “فينيكس” الإسرائيلية، والتي تستثمر بشكل مباشر في 11 شركة مدرجة على لائحة الأمم المتحدة للشركات المتورطة في الاستيطان.
تمثل هذه الاستثمارات الخليجية تغيرًا خطيرًا في سياسة بعض الدول العربية تجاه القضية الفلسطينية، إذ إنها لم تكتفِ بتجاهل سياسات الاحتلال التوسعية، بل أصبحت مساهمًا في الشركات التي تدعم وتغذي الاستيطان على الأرض.

مخاطر الاستثمارات الخليجية
تظهر بيانات بورصة تل أبيب أن “فينيكس”، التي أصبحت “أفينيتي بارتنرز” من أكبر مساهميها، تستثمر في مجموعة واسعة من القطاعات التي تعزز من وجود الاحتلال الإسرائيلي في الضفة الغربية، بما يشمل الاتصالات، والبنوك، والطاقة، والهندسة، وتجارة التجزئة.
على سبيل المثال، تستثمر “فينيكس” في بنك هبوعليم وبنك لئومي وبنك إسرائيل ديسكاونت، وهي بنوك إسرائيلية موثقة ضمن القائمة السوداء للأمم المتحدة بسبب دورها في تمويل المستوطنات.
كما تمتلك حصصًا في شركات اتصالات مثل Cellcom وPartner Communications، التي تمد المستوطنات بالبنية التحتية الرقمية وتوفر لها الخدمات، بالإضافة إلى شركات البناء والطاقة التي تسهم في تطوير مشاريع استيطانية جديدة.
يبرز هذا التمويل معضلة كبيرة، إذ يعكس تورطًا خليجيًا مباشرًا في دعم الاحتلال الإسرائيلي، في وقت تتزايد فيه الاعتداءات الإسرائيلية على الفلسطينيين في الضفة الغربية، وسط تصاعد هجمات المستوطنين، وعمليات القتل والتهجير التي أدت إلى نزوح عشرات الآلاف خلال الأشهر الأخيرة.
كما أن استثمار كوشنر في إسرائيل بدعم خليجي يتزامن مع جهود لتوسيع رقعة التطبيع العربي-الإسرائيلي، وهو ما يعزز مخاوف الفلسطينيين من أن هذه الاستثمارات ليست مجرد عمليات تجارية بحتة، بل جزء من ترتيبات إقليمية تهدف إلى تعزيز اندماج إسرائيل اقتصاديًا وأمنيًا في المنطقة، حتى وإن كان ذلك على حساب الحقوق الفلسطينية.
ازدواجية الخطاب الخليجي ومخاطر التطبيع الاقتصادي
تتناقض الاستثمارات السعودية والإماراتية في “أفينيتي بارتنرز” مع الخطاب الرسمي للبلدين تجاه القضية الفلسطينية.
فقد أصدرت الرياض وأبو ظبي بيانات عديدة تدين تصعيد الاحتلال الإسرائيلي، وتدعو إلى إنهاء الاستيطان، وتحذر من عواقب سياسات الضم الإسرائيلية.
على سبيل المثال، في أكتوبر الماضي، وصفت وزارة الخارجية السعودية الدعوات الإسرائيلية لضم الضفة الغربية بأنها “تهديد للأمن والاستقرار”، في حين أكدت الإمارات على ضرورة إنهاء “الممارسات غير القانونية التي تقوض حل الدولتين”.
لكن في الواقع، تتناقض هذه التصريحات مع التدفقات المالية الضخمة التي تصب في مصلحة الشركات المتورطة في الاستيطان.
هذا التناقض يكشف إشكالية أوسع تتعلق بمسار العلاقات الخليجية مع دولة الاحتلال، حيث بات التطبيع لا يقتصر على العلاقات الدبلوماسية فحسب، بل أصبح امتدادًا اقتصاديًا عميقًا، يمهد الطريق لإدماج إسرائيل في أسواق المنطقة على حساب القضية الفلسطينية.
وإذا استمرت هذه الاستثمارات في التوسع، فإنها قد تصبح غطاءً جديدًا لدعم الاحتلال الإسرائيلي، في وقت تتزايد فيه الضغوط الدولية لفرض عقوبات على المستوطنات غير الشرعية، مما قد يضع السعودية والإمارات في موقف حرج أمام الرأي العام العربي والدولي.
نحو تموضع خليجي جديد؟
إن ما كشفه تقرير “ميدل إيست آي” عن دعم السعودية والإمارات لشركة كوشنر يشير إلى تحول جوهري في استراتيجية بعض الدول الخليجية تجاه إسرائيل.
لم يعد الأمر مقتصرًا على خطوات سياسية أو علاقات دبلوماسية، بل أصبح يتجسد في استثمارات مالية ضخمة تصب في صالح الاحتلال، في الوقت الذي تتواصل فيه الجرائم الإسرائيلية بحق الفلسطينيين.
يضع هذا التمويل علامات استفهام حول ما إذا كانت هذه الدول تحاول إعادة تموضعها إقليميًا عبر بناء علاقات اقتصادية وثيقة مع إسرائيل، على حساب القضية الفلسطينية.
كما يثير التساؤل حول ما إذا كانت هذه الاستثمارات مدفوعة بضغوط أمريكية، أم أنها جزء من رؤية أوسع لإعادة رسم التحالفات في المنطقة.
اقرأ أيضًا : مذكرة تعاون بين دروز إسرائيل والإمارات.. هل يدعم نظام بن زايد التحرك الدرزي ضد سوريا الجديدة؟