رغم الدمار الهائل والمجازر المتواصلة، استيقظ أهالي قطاع غزة فجر الأحد على موعدهم مع التكبيرات وصلاة العيد، متحدّين الموت والركام، في مشهد يختصر معاني الصمود والتشبث بالحياة.
اصطف المئات في الساحات العامة وعلى أنقاض المساجد المدمّرة لأداء صلاة عيد الفطر، مرددين “الله أكبر” بأصوات تخترق الحطام وتحمل رسالة تحدٍ للاحتلال ورسالة حياة إلى العالم.
مشاهد الصلاة وسط الدمار لم تكن مجرد طقس ديني، بل تعبيراً صامتاً وصارخاً في آن، عن تمسك الفلسطينيين بكرامتهم وهويتهم وحقهم في الحياة، رغم كل محاولات الإبادة والاقتلاع التي تمارسها آلة الحرب الإسرائيلية منذ شهور.
أداء الصلاة في العراء وتحت أنقاض البيوت كان فعلاً رمزياً، يعبّر عن إصرار الشعب الفلسطيني على البقاء، رغم المجازر المتكررة التي تُرتكب بحق المدنيين، والتي لم تتوقف حتى في أول أيام العيد.
ففي ساعات الفجر الأولى، وبينما كان الأطفال يتحضرون لاستقبال العيد ببراءة، نفذ جيش الاحتلال مجزرة جديدة في بلدة عبسان جنوب غرب مدينة غزة، راح ضحيتها 9 شهداء بينهم 5 أطفال، لتتحول فرحة العيد إلى جنازات جماعية جديدة.

مواقف سياسية تتأرجح بين المبادرة والمراوغة
تزامناً مع صلاة العيد والمجازر المستمرة، أعلن رئيس حركة حماس في غزة، خليل الحية، أن الحركة وافقت على مقترح قدمه الوسطاء لوقف العدوان على القطاع.
وفي كلمة مصورة له صباح العيد، أكد الحية أن حماس تعاملت بإيجابية ومسؤولية مع المقترح المطروح، آملاً ألا يُفشل الاحتلال الجهود الدولية الرامية إلى وقف الحرب.
هذه التصريحات تفتح نافذة أمل، لكنها في ذات الوقت تكشف عن هشاشة المبادرات، في ظل غياب موقف دولي حازم يردع الاحتلال عن استمرار عدوانه، ويُجبره على الالتزام بأي اتفاقات تهدئة.
ورغم المبادرات المتكررة من عدة أطراف دولية وإقليمية، تواصل إسرائيل قصفها المدفعي والجوي، مستهدفة المناطق السكنية بشكل عشوائي، مما يزيد من عدد الضحايا بشكل يومي.
فالاحتلال، بحسب متابعين، يتعامل مع العروض السياسية وكأنها مجرد غطاء لاستمرار حربه، وليس مدخلاً حقيقياً لوقفها.
وفي هذا السياق، أكد نشطاء ميدانيون أن الاحتلال كثّف من قصفه شرق خانيونس وبلدة عبسان، مستخدماً الدبابات والمدفعية الثقيلة، في تصعيد واضح يتناقض مع الحديث عن وقف إطلاق النار.
عيدنا لغزة
وسط هذا الواقع الدموي، وجد النشطاء الفلسطينيون والعرب على مواقع التواصل الاجتماعي فسحة مقاومة رقمية أطلقوا من خلالها حملة تضامن بعنوان “#عيدنا_لغزة”، أرفقوها بصور الأطفال الشهداء ومشاهد الصلاة وسط الركام، للتأكيد على أن غزة حاضرة في وجدان الشعوب، رغم الصمت الدولي.
وقد لاقت الحملة تفاعلاً واسعاً، حيث أعاد آلاف المغردين التذكير بما يعانيه سكان القطاع من مجازر وتجويع ونزوح، في وقت يحتفل فيه العالم الإسلامي بعيد الفطر.
وأكد المشاركون في الحملة أن أطفال غزة حُرموا من فرحة العيد، كما حُرم آلاف الآباء من رؤية أبنائهم، بسبب غارات الاحتلال التي لا تفرق بين منزل أو مستشفى، بين مسجد أو مدرسة.
كما أشاروا إلى أن عدد الشهداء تجاوز حاجز الخمسين ألفاً منذ بدء العدوان، أغلبهم من النساء والأطفال، ما يجعل هذا العيد – بحسب وصفهم – “الأكثر دموية في تاريخ فلسطين المعاصر”.
هذه الأصوات القادمة من تحت الأنقاض وعلى صفحات العالم الرقمي، تُعيد الاعتبار للقضية الفلسطينية كقضية إنسانية وأخلاقية، تتجاوز حدود السياسة والمفاوضات، لتصبح اختباراً حقيقياً لضمير العالم.
بين الدمار والأمل.. الغزيون يصنعون العيد بإرادة لا تنكسر
لم يكن العيد في غزة يوماً عادياً، لكنه هذا العام جاء محملاً بجراح أكثر عمقاً، وألم أكثر اتساعاً، لكنه لم يخلُ من أمل.
ففي كل تكبيرة رفعت وسط الأنقاض، وكل طفل ارتدى قميص العيد فوق جسدٍ يرتجف من الخوف، وكل دعاء رُفع للسماء من بين الركام، كان هناك وطن يولد من تحت الرماد. غزة، رغم كل شيء، لا تزال تنبض بالحياة.
اقرأ أيضًا : الاحتلال يستبيح الأرض.. إسرائيل تستولي على أكثر من 52 ألف دونم في الضفة الغربية منذ 7 أكتوبر