كشفت مجلة إيكونوميست في تقرير صادم أن إسرائيل شرعت في تنفيذ خطة متكاملة لتدمير قطاع غزة وفرض واقع جديد بالقوة، من خلال تقسيم القطاع وتحويل مناطق واسعة منه إلى “مناطق إبادة”. 

وأكدت المجلة أن الأهداف العسكرية المعلنة تغطي على نوايا أعمق، تتمثل في تغيير ديمغرافي واسع النطاق وإجبار السكان على مغادرة أراضيهم طوعًا تحت الضغط العسكري والإنساني.

هذه الخطوات التي تترافق مع عمليات عسكرية مكثفة، بدأت مطلع أبريل الجاري، وتُظهر أن الاحتلال الإسرائيلي لم يعد يكتفي باستهداف مواقع المقاومة، بل بات يستهدف البنية المجتمعية والسكانية لغزة ككل، في انتهاك واضح للقانون الدولي والإنساني.

أحياء مدمّرة وأهداف توسعية

انطلقت العملية الإسرائيلية الأخيرة بهدوء مريب، بحسب المجلة، إذ تعمّد الجنرالات عدم الإعلان عنها حتى يتمركز الجنود في مواقعهم، لكن سرعان ما أفصح وزير الحرب الإسرائيلي، إسرائيل كاتس، عن نوايا بلاده الحقيقية، حين قال إن الهدف هو “سحق المنطقة وتطهيرها” وضمها إلى “المناطق الأمنية الإسرائيلية”.

في هذا السياق، أعلن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو أن العملية تُسمى “ممر موراغ”، في إشارة إلى المستوطنة الإسرائيلية التي كانت قائمة بين رفح وخان يونس، ما يمثل بوضوح رغبة الاحتلال في إعادة السيطرة المباشرة على مناطق جنوب القطاع.

وبحسب التقرير، فإن الجيش يخطط لتقسيم غزة، التي لا تتجاوز مساحتها 365 كيلومترًا مربعًا، إلى مربعات معزولة، عبر تدمير الأحياء وربط المناطق الحدودية بالقوة العسكرية. 

أما الهدف المعلن فهو “القضاء على حماس”، لكن النوايا الحقيقية تتجاوز ذلك، حيث يسعى الاحتلال إلى خلق واقع جغرافي جديد، يدفع السكان إلى التهجير الجماعي أو الموت تحت الحصار والجوع.

حصار مزدوج: الغذاء سلاح والإغاثة أداة للسيطرة

لم تعد إسرائيل تكتفي بالحرب العسكرية، بل صعّدت حربها الاقتصادية والإنسانية. إذ يُظهر التقرير أن الاحتلال يريد أن يتحكم في مسارات الإمداد الغذائي بنفسه، متخليًا عن سياسة الاعتماد على المنظمات الدولية في إيصال المساعدات.

فبحسب “إيكونوميست”، سيتم توجيه المساعدات مباشرة إلى النازحين على الساحل، وتُحرم المناطق الأخرى – التي يُصنفها الجيش بأنها حاضنة للمقاومة – من الغذاء والدواء، ضمن سياسة عقابية جماعية.

وتُشير المجلة إلى أن الجيش الإسرائيلي يخطط لإنشاء خط إمداد عبر “ممر موراغ”، يسمح فقط بإدخال المساعدات إلى المناطق التي يُراد حصر المدنيين فيها، مع الترويج لوجود وفرة في الغذاء، في حين الواقع عكس ذلك.

فالوقود نفد، وأسعار الغاز والدقيق وصلت إلى أرقام فلكية، كما توقفت 25 مخبزًا عن العمل نتيجة انقطاع الإمدادات.

في ظل هذه الظروف، أصبح سكان غزة يعيشون على أقل من 6 لترات من الماء يوميًا، بينما يختفي السكر وزيت الطهي من الأسواق، وتنخفض قدرة محطات التحلية إلى 15٪ من طاقتها الأصلية بعد وقف إسرائيل لإمدادات الكهرباء.

جريمة ممنهجة: استهداف المسعفين والانتهاك المستمر لوقف إطلاق النار

ضمن سياق عمليات الإبادة البطيئة، لا تتردد إسرائيل في استهداف المسعفين. فقد كشف التقرير أن 15 مسعفًا فلسطينيًا قُتلوا قرب رفح الشهر الماضي، رغم أنهم كانوا يرتدون الزي الطبي ويستقلون سيارات إسعاف مزودة بإشارات الطوارئ، بحسب فيديو وثقته نيويورك تايمز، مما يفند مزاعم الجيش الإسرائيلي بأنهم كانوا “مشبوهين”.

وتستمر الانتهاكات، حيث خرقت إسرائيل وقف إطلاق النار في 18 مارس بغارات جوية متجددة، وتواصلت عملياتها البرية التي أودت بحياة أكثر من ألف فلسطيني، معظمهم من المدنيين.

هذه الجرائم، التي ترتقي إلى جرائم حرب، لا تلقى ردعًا دوليًا جادًا، بل تُواجه بصمت من المجتمع الدولي، ما شجع إسرائيل على التمادي في فرض مخططها التهجيري والدموي.

غزة بلا أفق: لا حلول على الطاولة واستعدادات لهدنة مؤقتة

تؤكد المجلة أن حماس، وفي ظل تصاعد الأوضاع الإنسانية والضغوط الشعبية، أبدت استعدادًا لقبول هدنة مؤقتة لتبادل عدد محدود من الأسرى الإسرائيليين، مقابل الإفراج عن معتقلين فلسطينيين.

إلا أن إسرائيل، كما تُوضح الصحيفة، تُخطط لاستئناف الحرب مباشرة بعد الهدنة، مع عدم وجود أي رؤية جدية لليوم التالي للحرب، بحسب دبلوماسيين.

أما الأمل الوحيد الذي يلوح في الأفق، فهو تصريح للرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب خلال لقائه نتنياهو في 7 أبريل، حين قال إنه يأمل في انتهاء الحرب قريبًا. 

إلا أن ترامب – الذي فرض في السابق على إسرائيل التزامًا بوقف مؤقت لإطلاق النار – يبدو الآن منشغلًا عن الملف الفلسطيني، ما يُضعف فرص الضغط الأمريكي على تل أبيب.

نحو تكرار نكبة جديدة؟

تشير كل المؤشرات إلى أن إسرائيل تسير بخطى ثابتة نحو فرض تهجير جماعي في غزة، عبر خطة “تقسيم وتجويع وتدمير”، وهو ما يعيد إلى الأذهان نكبة 1948، ولكن بنسخة أكثر وضوحًا وعلانية.

ومع غياب المساءلة الدولية، وتواطؤ بعض القوى الإقليمية، لا يبدو أن هذه الجريمة ستتوقف قريبًا، ما لم تحدث مفاجأة سياسية تقلب الموازين.

ويبقى السؤال: هل يسمح العالم بتكرار المأساة؟ أم أن غزة ستبقى شاهدة على صمود شعب يُقاوم الإبادة بكل ما يملك؟

اقرأ أيضًا : ميتا في خدمة الاحتلال: حذف 90 ألف منشور بناءً على طلب إسرائيل ضمن حملة قمع للمحتوى الفلسطيني