في تصعيد جديد يكشف وجه الاحتلال الإسرائيلي الهمجي وسعيه الدؤوب لفرض سيادة يهودية على المسجد الأقصى، أقدم مئات المستوطنين صباح اليوم على اقتحام باحات المسجد المبارك، تحت حماية مشددة من قوات الاحتلال، تزامنًا مع ما يسمى بـ”عيد الفصح اليهودي”.

وقد حوّلت سلطات الاحتلال البلدة القديمة في القدس إلى ثكنة عسكرية مغلقة، في مشهد يُعيد إلى الأذهان أشد فصول التهويد قبحًا ووقاحة.

ويأتي هذا الاقتحام ضمن مسار تصاعدي تقوده منظمات يهودية متطرفة تسعى إلى “تقديم قرابين الفصح” داخل المسجد، في محاولة لفرض أمر واقع جديد في الأقصى، يستند إلى رواية “الهيكل المزعوم” التي تُستخدم ذريعة لتقويض الحضور الإسلامي والمسيحي في القدس.

 

أجندة تهويد متسارعة: من التقسيم الزماني إلى المكاني

منذ ساعات الصباح الأولى، تدفقت حشود المستوطنين إلى المسجد الأقصى من باب المغاربة، وهو الباب الذي تُسيطر عليه قوات الاحتلال وتستخدمه كمنفذ دائم لاقتحامات المتطرفين. 

وقد رافق المقتحمين عناصر من الوحدات الخاصة للشرطة الإسرائيلية التي انتشرت بكثافة في الأحياء المحيطة بالبلدة القديمة، لا سيما باب العمود وشارع الواد، وأقامت الحواجز العسكرية وأغلقت بعض الطرقات، لتأمين مسار المستوطنين وترويع السكان المقدسيين.

وترافقت الاقتحامات مع دعوات متطرفة أطلقتها جماعات “جبل الهيكل” الاستيطانية، لحشد أكبر عدد ممكن من المستوطنين وتقديم ما يسمى بـ”القرابين الحيوانية” داخل المسجد، في خطوة تصعيدية خطيرة تهدف إلى تحويل باحات الأقصى إلى مسرح للشعائر التلمودية، ما يُعد استفزازًا صارخًا لمشاعر المسلمين واستهدافًا مباشرًا للوضع الديني والتاريخي للمكان.

وزارة الخارجية الفلسطينية حذّرت من هذه الممارسات، مؤكدة أن ما يجري هو جزء من خطة مدروسة لتقسيم المسجد الأقصى زمانيًا ومكانيًا، كمرحلة تمهيدية لفرض السيادة الإسرائيلية عليه، وربطه بالمشروع الصهيوني لضم القدس بالكامل وطمس هويتها العربية والإسلامية.

وحشية الاحتلال: غطاء ديني لجرائم مستمرة في الضفة وغزة

تأتي هذه الاقتحامات في سياق حملة إسرائيلية شاملة من التصعيد العنيف على مختلف الجبهات الفلسطينية، خاصة في الضفة الغربية، حيث تستمر قوات الاحتلال في اجتياح المدن والمخيمات، ومصادرة الأراضي، وشن حملات اعتقال جماعية تطال النشطاء والمواطنين، بحجة “منع التصعيد” خلال فترة الأعياد.

وتؤكد المعطيات الفلسطينية الرسمية أن عدد الشهداء في الضفة الغربية منذ اندلاع العدوان الإسرائيلي الشامل على قطاع غزة في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، قد تجاوز 947 شهيدًا، بينهم أطفال ونساء، بينما أصيب قرابة 7000 آخرين.

أما في قطاع غزة، فإن الوضع الإنساني بات كارثيًا بكل المقاييس، في ظل حرب إبادة غير مسبوقة تنفذها إسرائيل بدعم أميركي مطلق، أسفرت حتى الآن عن أكثر من 166 ألف شهيد وجريح، بينهم ما يزيد عن 70% من النساء والأطفال، بالإضافة إلى أكثر من 11 ألف مفقود، يُعتقد أن غالبيتهم تحت الأنقاض.

هذه الوحشية المنظمة لا تنفصل عن الاقتحامات المتكررة للأقصى، بل تمثل امتدادًا لها، حيث يُنظر إلى المسجد بوصفه رمزًا للمقاومة والصمود الفلسطيني، وتحريره من القيود الأمنية والعسكرية الإسرائيلية يشكّل تهديدًا استراتيجيًا للمشروع الصهيوني، الذي يرى في تهويد القدس حجر الأساس لبسط السيطرة الكاملة على فلسطين.

صراع الهوية والسيادة في قلب القدس

ما يحدث اليوم في المسجد الأقصى ليس مجرد “استفزاز موسمي” يتزامن مع الأعياد اليهودية، بل هو تكثيف لسياسة قديمة جديدة تسعى لتغيير الواقع الديمغرافي والديني في القدس، وتحويلها إلى “عاصمة موحدة وأبدية” للاحتلال، كما يدّعي قادته.

لكن هذا المشروع التهويدي يواجه مقاومة شعبية صلبة، تتجلى يوميًا في صمود المقدسيين وإصرارهم على حماية المسجد الأقصى من التدنيس.

لقد أثبتت التجربة أن كل اقتحام للأقصى يولّد مزيدًا من التوتر والتصعيد، وأن رهان الاحتلال على إخضاع الفلسطينيين عبر القبضة الحديدية والتحريض الديني لا يجلب له إلا مزيدًا من الإدانة والعزلة.

وإذا لم يتحرك المجتمع الدولي بشكل عاجل لوضع حد لهذه الجرائم، فإن المنطقة بأكملها مرشحة لانفجار كبير، ستكون القدس نواته وأول ضحاياه.

اقرأ أيضًا : إسرائيل تُقسم غزة وتُنفذ خطة تدمير ممنهجة وسط صمت دولي مطبق