بينما تتصاعد حدة العمليات العسكرية الإسرائيلية في قطاع غزة، لا تغيب الضفة الغربية عن دائرة النار.
شهد مخيم نور شمس في طولكرم صباح اليوم الأحد انفجارات عنيفة وإطلاقًا كثيفًا للنيران، بالتزامن مع ضغوط مباشرة من جيش الاحتلال لإجبار السكان على إخلاء منازلهم.
يأتي ذلك ضمن عملية عسكرية متواصلة، يُنفذها الاحتلال الإسرائيلي منذ 77 يومًا على التوالي في مدن وبلدات الضفة، وعلى رأسها جنين وطولكرم.
هذا التصعيد العسكري، الذي أصبح نمطًا يوميًا، يعكس سياسة ممنهجة لـتطهير عرقي بطيء في الضفة الغربية، وسط تجاهل دولي مريب، وصمت يُقابَل بدماء الشهداء الفلسطينيين، ودمار واسع في البنية التحتية، وتهجير جماعي للسكان.

مخيم نور شمس.. نار وتهديد وتهجير
في فجر يوم الأحد، دوّت انفجارات عنيفة في منطقة جبل النصر بمخيم نور شمس، ترافقت مع انتشار واسع لقوات الاحتلال داخل المخيم وضواحي مدينة طولكرم، وخاصة في حي ذنابة.
وأفادت مصادر محلية بأن قوات الاحتلال لم تكتف بإطلاق النار الكثيف، بل بدأت بطرق أبواب المنازل وتهديد العائلات لإجبارها على الخروج، فيما نُقل عن شهود عيان أن الجنود تعمدوا الاعتداء على عدد من السكان وتخريب ممتلكاتهم.
لم تكن هذه الحملة العسكرية مجرد “مداهمة أمنية”، بل كانت بمثابة عقاب جماعي لسكان المخيم، وتحريض ممنهج على النزوح القسري، وهي سياسة لطالما انتهجتها إسرائيل في الضفة الغربية والقدس على حد سواء.
وحتى لحظة كتابة هذا التقرير، أسفرت العمليات في طولكرم عن استشهاد 13 فلسطينيًا، بينهم طفل وسيدتان – إحداهما حامل، في جريمة بشعة تؤكد أن المدنيين، وخاصة النساء والأطفال، لم يعودوا مجرد “أضرار جانبية” في نظر جيش الاحتلال، بل أهداف مباشرة لآلة القتل.
جنين.. نموذج المدينة المحاصرة منذ 83 يومًا
في موازاة ما يجري في طولكرم، لا تزال مدينة جنين ومخيمها تحت نير الحصار الإسرائيلي لليوم 83 على التوالي.
شهدت الأيام الأخيرة تصعيدًا لافتًا تمثل في اقتحامات متكررة، وتدمير منازل، واستهداف للمناطق الصناعية والبنية التحتية، مما أدى إلى استشهاد 36 فلسطينيًا، واعتقال المئات، فضلًا عن تهجير أكثر من 20 ألف نسمة.
وفي جريمة لا تقل بشاعة عن مجازر غزة، حول الاحتلال مخيم جنين إلى مدينة أشباح. مئات المنازل دُمّرت بشكل جزئي أو كلي، والمياه والكهرباء والاتصالات قُطعت عن آلاف العائلات، في مشهد يُحاكي صور الدمار في مخيم اليرموك بسوريا أو مدينة الفلوجة في العراق، لكن هذه المرة تحت رعاية “الديمقراطية الإسرائيلية”.
الضفة الغربية في قلب الإبادة الجماعية
منذ بدء العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، شهدت الضفة الغربية بدورها تصعيدًا ممنهجًا، شمل القتل الميداني، وهدم المنازل، والمداهمات الليلية، وإقامة الحواجز العسكرية، والاعتداء على الأسرى والمعتقلين، ناهيك عن دعم المستوطنين في تنفيذ اعتداءات منظمة بحق الفلسطينيين.
947 شهيدًا في الضفة الغربية وحدها خلال ستة أشهر، وأكثر من 7000 مصاب، وفق إحصاءات رسمية فلسطينية، تكشف عمق المأساة. وقد لجأ الاحتلال، في كثير من الحالات، إلى استخدام أساليب ميدانية في القتل تُشبه عمليات “الإعدام الفوري” دون محاكمة أو مواجهة.
ويزداد الوضع تفاقمًا مع تمدد الجماعات الاستيطانية التي باتت تهاجم القرى والبلدات الفلسطينية علنًا، تحت حماية الجيش الإسرائيلي، مستهدفة المزارعين ومصادر المياه، ومستخدمة خطابًا دينيا عنصريًا يُحرّض على القتل والإخلاء.
جريمة مكتملة الأركان.. وصمت عالمي يشرعن الإبادة
العدوان الإسرائيلي المستمر في الضفة الغربية، والمترافق مع الإبادة الجماعية الجارية في قطاع غزة، يعكس عقيدة سياسية وعسكرية قائمة على الحسم الدموي. لم تعد إسرائيل تخفي نيتها في تفريغ الأرض من سكانها الأصليين، تمهيدًا لمشاريع الضم والتوسع الاستيطاني.
ومع ذلك، فإن المجتمع الدولي، وعلى رأسه الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، يواصلون الصمت أو التواطؤ. تقتصر ردود الفعل على بيانات “القلق العميق”، دون أي إجراءات قانونية أو سياسية لوقف الانتهاكات، أو محاسبة المسؤولين عنها، مما يمنح الاحتلال ضوءًا أخضر لمواصلة مشروعه الاستعماري.
هذا الصمت، الذي قد يُفسّر على أنه حياد، هو في الحقيقة موقف داعم لجريمة مستمرة بحق الإنسانية. وبدلًا من فرض عقوبات أو دعم حماية دولية للفلسطينيين، يتم تسليح إسرائيل بمزيد من القنابل، والدبابات، ووسائل التجسس، وتُمنح الغطاء الكامل لممارسة جرائمها تحت ذريعة “الدفاع عن النفس”.
نور شمس لن تنطفئ
ما يجري في مخيم نور شمس اليوم هو جزء من مأساة فلسطينية كبرى، امتدت من غزة إلى جنين، ومن رفح إلى طولكرم. لكن رغم الحصار، والمجازر، والتهجير، فإن الفلسطينيين يُصرّون على التشبث بأرضهم، ومنازلهم، وكرامتهم.
وفي وجه آلة القتل الإسرائيلية، يقول الفلسطيني في نور شمس: “لن نرحل.. ولن نصمت”. لأنّ من شبّ على المقاومة لن يقبل الخنوع، ومن عايش المجازر لا يخشى الموت. ويبقى السؤال للعالم: كم من الضحايا يجب أن يسقطوا كي تتحرك العدالة؟
اقرأ أيضًا : بـ”قرابين الهيكل” وتحت حماية الجيش.. مئات المستوطنين يقتحمون الأقصى والاحتلال يحول القدس إلى ثكنة عسكرية