لم يعد الموت في السجون المصرية استثناءً، بل صار مخرجًا أخيرًا لمن لم يجدوا سبيلاً للخلاص من آلة القمع التي لا ترحم.

في مشهد يتكرر بسيناريوهات مختلفة، لفظ الشاب المصري علاء جمال (29 عامًا) أنفاسه الأخيرة داخل زنزانته الانفرادية في سجن بدر 3، بعد أن شنق نفسه احتجاجًا على سياسات التنكيل والإذلال الممنهج التي يتعرض لها المعتقلون في هذا السجن سيء السمعة.

علاء، وهو من محافظة المنيا، كان أحد المعتقلين الذين دخلوا في إضراب جماعي عن الطعام، احتجاجًا على ما وصفوه بالإهمال الطبي المتعمد الذي أدى إلى وفاة معتقل آخر داخل نفس السجن، الأمر الذي فجر موجة غضب عارمة بين النزلاء، وفتح الباب أمام مزيد من المواجهة بين إرادة الحياة داخل الزنازين، وعقلية العقاب السلطوي خارجها.

تفاصيل الانتهاكات: قمع، حرمان، ثم “تأديب حتى الموت”

بدأت القصة مع دخول عدد كبير من معتقلي “بدر 3” في إضراب عن الطعام، بعد وفاة أحد زملائهم نتيجة الإهمال الطبي، وسط تجاهل تام من إدارة السجن لمطالب المعتقلين بالحصول على حقوقهم الأساسية.

مع تصاعد الإضراب، قرر عدد من المعتقلين حجب كاميرات الزنازين، في خطوة احتجاجية رمزية، كان من ضمنهم الشاب علاء جمال.

رد فعل إدارة السجن لم يكن سوى العقاب المزدوج. إذ تم منع زيارة كانت مقررة لعلاء، رغم أنه ظل محرومًا من الزيارة لفترة طويلة، وانتظر أهله طويلاً للسماح لهم بمقابلته بعد رحلة شاقة من المنيا إلى السجن. ومع وصولهم، تم منعهم أولًا من الدخول، ما دفع علاء إلى التهديد بالانتحار إن لم يُسمح له برؤية أسرته.

رضخت الإدارة مؤقتًا وسمحت له بالزيارة، لكنها لم تترك المشهد يمر دون إذلال. فبعد انتهاء الزيارة، تم منع إدخال أي متعلقات شخصية أتى بها أهله، كالأدوية أو الملابس، بل وتمت معاقبته بإيداعه في الحبس الانفرادي (غرفة التأديب)، بزعم سلوكه التهديدي.

صباح الاثنين، كانت الفاجعة. عثِر على علاء مشنوقًا داخل زنزانته الانفرادية، بعد ليلة قضاها في عزلة، بلا متعلقات، بلا دواء، بلا دفء، بلا أمل.

غضب يتصاعد خلف الجدران: تمرد صامت في بدر 3

لم يكن انتحار علاء حدثًا عابرًا داخل “بدر 3″، بل كان شرارة لاحتجاجات غاضبة في أوساط المعتقلين الذين أعلنوا تصعيدًا في إضرابهم، فيما أقدم بعضهم على إشعال النار في البطاطين داخل الزنازين، تعبيرًا عن الغضب واليأس من سياسات القمع والتجويع والإذلال المتواصلة.

وتأتي هذه الحادثة لتسلط الضوء مجددًا على أوضاع السجون المصرية، وبالأخص مجمع سجون بدر، الذي يوصف بأنه نسخة مصرية من “غوانتنامو”، بل ربما أكثر قسوة. فالسجن الذي دُشِّن كمجمع نموذجي مزعوم، تحوّل إلى مقبرة للأحياء، حيث العزل التام، والمراقبة المستمرة بالكاميرات، والتضييق على الزيارات، ومنع الأدوية، والتغذية السيئة، والتنكيل النفسي والبدني بالمعتقلين.

وفي نوفمبر من العام الماضي، كانت عائلات المعتقلين قد أطلقت استغاثات مماثلة بعد حملات تفتيش تعسفية، ومنع الزيارات، وسحب المتعلقات الشخصية، في سياسة ممنهجة لقطع أي صلة بين المعتقل وسياق الحياة خارج السجن.

السيسي وسجون الموت: حين يصبح الانتحار صرخة ضد الاستبداد

ما حدث لعلاء جمال ليس مجرد حادثة “انتحار”، بل هو جريمة قتل بطيء مارستها مؤسسات الدولة بكل أدواتها، من ضباط أمن الدولة إلى إدارات السجون، تحت مظلة نظام لا يعترف بإنسانية المعارضين، ولا يحتمل حتى صمتهم داخل الزنازين.

وتأتي هذه الواقعة ضمن سلسلة طويلة من الانتهاكات الحقوقية التي وثقتها منظمات دولية عديدة، والتي تشمل التعذيب، الحرمان من العلاج، الحبس الانفرادي المطول، والإذلال المستمر.

إن ما يحدث في سجون مصر ليس إلا صورة مكثفة لنظام سياسي قائم على سحق الكرامة، حتى لو كلّف الأمر أرواحًا شابة في مقتبل العمر. فهل يُحاسب أحد؟ هل يُفتح تحقيق؟ هل يلتفت الإعلام المحلي الموالي للنظام إلى هذه المأساة؟ الإجابة معروفة سلفًا.

إلى متى يستمر النزيف؟

يبقى السؤال الأهم معلقًا: إلى متى يستمر النزيف في سجون مصر؟ كم شابًا مثل علاء ينبغي أن يُفقد حياته حتى يتحرك الضمير المحلي والدولي؟ إن صمت المؤسسات المعنية عن هذه الجرائم، هو تواطؤ واضح، ولا مفر من تسمية الأمور بمسمياتها: نحن أمام نظام يتغذى على القمع ويصنع الموت في الزنازين.

وإذا كان السجن يُفترض أن يكون لإعادة التأهيل، فإن سجون مصر تحولت في عهد السيسي إلى مسالخ بشرية لا يُرجى منها سوى القهر والانهيار والانتحار.

اقرأ أيضًا : ماذا يحدث في مطروح؟ تصفيات خارج القانون واحتجاز نساء.. الشرطة تواجه القبائل بالغطرسة والدم