في خضم الحديث عن تهدئة محتملة وصفقة تبادل أسرى جديدة، تفجّرت موجة رفض عارمة في قطاع غزة ضد أحد البنود المطروحة ضمن المبادرة الأخيرة لوقف إطلاق النار، والمتعلق بنزع سلاح المقاومة.
فقد اعتبرت قوى وطنية وشعبية أن هذا البند بمثابة محاولة لتجريد الشعب الفلسطيني من وسيلته الوحيدة للدفاع عن نفسه، وفرض معادلة استسلام مقنّعة باسم “السلام”.
البيان الصادر عن لجنة المتابعة للقوى الوطنية والإسلامية، إضافة إلى الموقف الحاسم لملتقى العشائر والإصلاح، حمل رسالة واحدة لا لبس فيها: سلاح المقاومة ليس على طاولة التفاوض.

سلاح الضحية بين التضخيم الإعلامي والتواطؤ الدولي
قالت لجنة المتابعة في بيانها الصريح إن هناك “منطقًا مقلوبًا” يحكم النظرة الدولية إلى سلاح المقاومة، حيث يُضخَّم هذا السلاح الذي وصفته بـ”البدائي”، رغم أنه لا يُستخدم إلا في الدفاع عن النفس، بينما يتم التغاضي عن الشحنات الضخمة من الأسلحة الفتاكة والقنابل الثقيلة التي تقدمها الولايات المتحدة للاحتلال الإسرائيلي دون مساءلة.
ولفت البيان إلى أن التركيز على “نزع سلاح الضحية” ليس إلا جزءًا من حملة تضليل سياسي وإعلامي تهدف إلى تحويل الأنظار عن جوهر المشكلة الحقيقي، وهو الاحتلال المتنصل من الاتفاقات، والمتورط في جرائم حرب ضد المدنيين العزّل. وتساءل بيان اللجنة بمرارة: “لماذا يُطلب من الضحية التخلي عن أداتها في الدفاع، بينما يُكافأ الجلاد بالمزيد من أدوات القتل؟”.
كما نبهت اللجنة إلى أن الاحتلال هو من أفشل الاتفاق ثلاثي المراحل الذي وافق عليه الجانب الفلسطيني سابقًا، مشيرة إلى أن بنيامين نتنياهو، وتحت غطاء صمت دولي قاتل، يتهرب من أي التزام بوقف الحرب أو الانسحاب الكامل من غزة.
الهوية القومية والمقاومة: من غزة إلى القاهرة
اللافت في الموقف الفلسطيني الرافض للتهدئة المشروطة هو ارتباطه الوثيق بالهوية القومية العربية، إذ رأت اللجنة أن غزة ليست فقط جزءًا من فلسطين، بل خط الدفاع الأول عن مصر، ووصفتها بأنها “منطقة تأمين لجمهورية مصر العربية”.
هذا الربط بين أمن غزة وأمن مصر يعكس عمق البعد القومي للقضية، ويفتح بابًا لتساؤلات حول دور القاهرة في حماية هذا العمق الاستراتيجي بدلًا من التماهي مع الضغوط الغربية لنزع سلاح المقاومة.
وطالبت اللجنة الوسطاء – وتحديدًا مصر وقطر والولايات المتحدة – بأن لا يتحولوا إلى أدوات ضغط على الطرف الفلسطيني، بل إلى أطراف تمارس ضغطًا حقيقيًا على الاحتلال، الذي له سوابق طويلة في نكث العهود والتنصّل من الاتفاقات، مؤكدة أن أي هدنة لا تشمل وقفًا شاملًا للحرب ورفعًا كاملًا للحصار وإعادة الإعمار، ستكون فخًا سياسيًا يكرّس الاحتلال بدلًا من مقاومته.
العشائر: السلاح هو شرف الكفاح الوطني
من جانبه، أصدر ملتقى العشائر والإصلاح في غزة بيانًا حازمًا أكد فيه أن سلاح المقاومة هو “شرف الشعب الفلسطيني” و”صمام أمانه”، محذرًا من أي محاولة لطرحه على طاولة التفاوض.
وأكد الملتقى أن هذا السلاح ملك للشعب الفلسطيني وليس لأي فصيل أو جهة سياسية، معتبرًا التنازل عنه بمثابة التنازل عن الحق والكرامة.
وأعاد الملتقى التذكير بأن السلاح، رغم تواضعه، هو الذي يمنح الفلسطينيين الأمل في التحرر، وهو الوسيلة التي مكّنتهم من الصمود لعقود في وجه آلة عسكرية إسرائيلية مدججة بأحدث أنواع السلاح.
وأكد أن المساس بهذا السلاح – تحت أي ذريعة – هو تجاوز لكل الخطوط الحمراء، وخيانة لتضحيات آلاف الشهداء.
تهدئة مشروطة أم استسلام مقنّع؟
إن الموقف الفلسطيني الرافض لنزع سلاح المقاومة ليس مجرد تمسك بأداة عسكرية، بل هو موقف أخلاقي وسياسي ينبع من وعي جمعي عميق بتجارب التهدئة السابقة التي لم تكن يومًا لصالح الفلسطينيين.
فمنذ اتفاق أوسلو وحتى اليوم، أثبتت الأحداث أن أي تسوية لا تشمل إنهاء الاحتلال ورفع الحصار وإعادة الحقوق، تكون مجرّد هدنة لصالح المحتل يعيد خلالها ترتيب أوراقه.
وفي ظل هذا الوعي، تتقاطع مواقف الفصائل الوطنية والإسلامية مع نبض الشارع الفلسطيني الذي يرى في سلاح المقاومة رمزًا للصمود، لا يمكن التنازل عنه ما دام الاحتلال قائمًا.
والرسالة التي تُرسل اليوم من غزة إلى كل العالم واضحة: “لا سلاح بلا حرية.. ولا تهدئة بلا كرامة”.
اقرأ أيضًا : آلاف المستوطنين يقتحمون المسجد الأقصى.. تصعيد خطير يُهدد هوية المدينة المقدسة