في تطور خطير يكشف عن أبعاد جديدة لمخططات تفريغ قطاع غزة من نخبه العلمية والفكرية، كشف رئيس المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان، الدكتور رامي عبده، عن معلومات تفيد بتورّط السفارة الفرنسية في القدس في عملية تهجير منسقة تستهدف الكفاءات الفلسطينية من قطاع غزة، وعلى رأسهم حملة الدكتوراه، والأطباء، والمهندسون، والمؤرخون، والمتخصصون في الثقافة والآثار.

التحرك الذي يتم تحت حماية مباشرة من جيش الاحتلال الإسرائيلي، وبتواطؤ فرنسي رسمي، يُنذر بخطر تفريغ غزة من أدمغتها ونخبها، في سابقة قد تكون الأكثر وقاحة ضمن استراتيجيات الاحتلال القائمة على “تجفيف منابع الصمود”.

عملية ترحيل ممنهجة للكفاءات

في تصريحات لوسائل إعلامية، أكد الدكتور رامي عبده أنه حصل على معلومات موثقة تثبت تورط السفارة الفرنسية في القدس، بالتعاون مع جيش الاحتلال، في عمليات إجلاء سرية ومنظمة تستهدف نخبة المجتمع الغزّي.

ووفق عبده، فإن العملية لا تتعلق بعمليات إنسانية كما تدعي بعض السفارات الغربية، بل هي “مخطط منظم لتفريغ القطاع من العقول المنتجة والمثقفة”، وذلك عبر تنسيق مسبق بين مسؤولين دبلوماسيين فرنسيين وقيادات عسكرية إسرائيلية.

وأضاف أن العملية تُدار بتخطيط دقيق، حيث يُجمَع الأشخاص المطلوب إجلاؤهم فجراً في حافلات وسط القطاع، ويتم نقلهم إلى مطار رامون في الجنوب تحت حماية الطيران الحربي الإسرائيلي. وأوضح أن هناك حديثاً عن إمكانية نقلهم لاحقاً عبر جسر الملك حسين إلى الأردن، في مسار واضح يهدف إلى إخراجهم من المشهد الفلسطيني نهائياً.

ماكرون في دائرة الاتهام.. فرنسا تتواطأ مع الاحتلال

لم يكتفِ عبده بتوجيه الاتهام لموظفي السفارة، بل أشار بوضوح إلى “تواطؤ رئاسي فرنسي”، متهماً الرئيس إيمانويل ماكرون بأنه جزء من هذا المخطط الذي يخدم الرواية الإسرائيلية، ويُسهم في إضعاف المجتمع المدني الفلسطيني، وضرب مقومات البقاء والصمود داخل القطاع.

وفي هذا السياق، يرى مراقبون أن فرنسا – التي طالما تغنت بقيم حقوق الإنسان – تلعب اليوم دوراً قذراً في مشروع التهجير القسري المقنّع، عبر ما تسميه “عمليات إجلاء إنسانية”، بينما الهدف الحقيقي هو إعادة تشكيل التركيبة السكانية لغزة، وإفراغها من عقولها وكفاءاتها، لتهيئتها لمشاريع سياسية وأمنية تخدم الاحتلال.

ويشير محللون إلى أن التحركات الفرنسية تتناغم مع استراتيجية إسرائيلية طويلة الأمد تهدف إلى تقويض أي إمكانية لإعادة بناء مجتمع مقاوم ومنتج داخل غزة. إذ لطالما شكّل الأكاديميون والأطباء والمهندسون عنصر تهديد فكري وثقافي لإسرائيل، كونهم حاملين لرسالة حضارية وقادرين على إعادة بناء ما يدمّره الاحتلال باستمرار.

التوقيت والسياق.. تهجير في ظل الكارثة

تأتي هذه التحركات في سياق كارثي تشهده غزة منذ بدء الحرب الأخيرة، حيث يواجه السكان مجازر يومية، وتجويع ممنهج، وانهيار في البنية التحتية، بينما تقف المؤسسات الدولية عاجزة – أو متواطئة – أمام نزيف بشري لم يشهد له القطاع مثيلاً منذ عقود.

ولعل توقيت الترحيل، وفق عبده، ليس بريئاً: فتنفيذ العملية الجديدة غداً الأربعاء وفي توقيت الفجر، يعكس حرصاً على إخفاء تفاصيل العملية عن الرأي العام الفلسطيني، والإبقاء على الصورة الزائفة بأن السفارات الغربية تعمل “لأسباب إنسانية”، في حين أنها تمارس تطهيراً ناعماً لما تبقى من أعمدة المجتمع الغزي.

اللافت أن الحديث عن هذه العمليات بدأ يتكرر في الأسابيع الأخيرة، وتحديداً من قبل نشطاء حقوقيين رصدوا أنماطاً مشابهة من التهجير، تمّت بغطاء “الإخلاء الإنساني”، ثم تبيّن لاحقاً أنها استهدفت فقط الشرائح المتعلمة والمختصة.

تهجير العقول.. سلاح الاحتلال الجديد

في ضوء ما كشفه رامي عبده، يبدو أن الاحتلال الإسرائيلي انتقل إلى مرحلة جديدة من أدوات الحرب، تقوم على “القتل الناعم” عبر التهجير الذكي للكفاءات. ويبدو أن فرنسا باتت شريكاً مباشراً في هذه الجريمة، ما يستدعي تحركاً فلسطينياً عاجلاً، ومساءلة دولية جادة.

إن تفريغ غزة من أطبائها ومهندسيها ومفكريها، ليس فقط انتهاكاً لحقوق الإنسان، بل جريمة ضد مستقبل الشعب الفلسطيني، الذي يُسلب منه حقه في البقاء والتطور على أرضه.

وإذا كان العالم قد تغاضى عن المجازر المباشرة، فهل سيتغاضى أيضاً عن هذه الجريمة “الناعمة” التي تُرتكب تحت شعارات كاذبة وبمساعدة “الدول الديمقراطية”؟

اقرأ أيضًا : الاحتلال يدمر غزة.. مجازر متواصلة واستهداف ممنهج للبلديات