بينما تحصي غزة شهداءها وتعيش تحت أنقاضها، تتدفق الشحنات المصرية من الأسمنت إلى إسرائيل بمعدلات غير مسبوقة، لتسهم بشكل مباشر في ترميم البنية التحتية للاحتلال وتعويضه عن الخسائر التي تكبّدها جرّاء قرارات المقاطعة التركية.
في مفارقة مؤلمة، تكشف البيانات الرسمية أن رُبع ما يُستخدم في إسرائيل من الأسمنت الآن مصدره مصر، في الوقت الذي لم تهدأ فيه أصوات المدافع فوق رؤوس الغزيين منذ أكتوبر 2023.

أرقام تكشف الكارثة: صادرات قياسية وصفقات بلا ضمير
وفقاً لتحليل بيانات صادرة عن “الجهاز المركزي للإحصاء” الإسرائيلي و”المجلس التصديري لمواد البناء والصناعات المعدنية” في مصر، سجّلت صادرات مصر من الأسمنت إلى إسرائيل قفزة هائلة خلال الحرب، إذ بلغت قيمتها 223.3 مليون دولار خلال الفترة من أكتوبر 2023 إلى فبراير 2025، مقارنة بـ17.1 مليون دولار فقط في الفترة السابقة من مايو 2022 حتى سبتمبر 2023، أي بزيادة بلغت 13 ضعفًا.
هذه الأرقام لم تعد مجرد مؤشرات تجارية، بل تحوّلت إلى وثائق إدانة سياسية وأخلاقية تكشف انخراط النظام المصري بقيادة عبد الفتاح السيسي في دعم آلة الاحتلال الإسرائيلي.
فبينما أوقفت تركيا تصدير الأسمنت إلى تل أبيب كجزء من موقفها المناهض للعدوان على غزة، سارعت القاهرة لملء الفراغ وتعويض النقص عبر عشرات السفن التي نقلت الأسمنت من موانئ مصرية، أغلبها يخضع لإدارة الجيش، إلى موانئ إسرائيلية.
تصريحات رئيس مجلس إدارة ميناء أشدود، شاؤول شنايدر، في 9 أبريل 2025، تؤكد أن 25% من الأسمنت المستخدم حاليًا في إسرائيل يأتي من مصر، متفوقة على دول مثل قبرص واليونان.
السيسي يدعم تل أبيب.. والركام يطمر غزة
صمتت الدولة المصرية الرسمية، ولم تعلّق على هذا التفاوت في البيانات بين ما تنشره إسرائيل وما تذكره الجهات المصرية.
ففي حين تشير بيانات “المجلس التصديري المصري” إلى صادرات قيمتها 50.7 مليون دولار في عام 2024، تقول إسرائيل إن الواردات المصرية بلغت 120.7 مليون دولار في الفترة ذاتها، ما يطرح تساؤلات عن وجود تقليل متعمد من القاهرة لإخفاء حجم التعاون التجاري مع العدو خلال حرب إبادة.
وفي الوقت الذي تضرب فيه إسرائيل غزة يوميًا، مخلفة أكثر من 168 ألف شهيد وجريح، معظمهم من الأطفال والنساء، كانت مصر من أكثر الدول توريدًا لمواد البناء الحيوية التي تدخل في إعادة إعمار المنشآت العسكرية والمستوطنات ومصانع السلاح الإسرائيلية.
المفارقة الأكثر إيلامًا أن السفن التي نقلت الأسمنت أبحرت من ميناء العريش الخاضع للجيش المصري، والذي يفترض أن يكون بوابة لنقل المساعدات إلى غزة، لكنه تحوّل إلى نقطة تصدير لدعم الاحتلال.
وتمكنت “عربي بوست” من رصد حركة 8 سفن خلال مارس وأبريل 2025، تبحر تحت أعلام دول أجنبية، تقوم برحلات منتظمة بين مصر وإسرائيل، في ما يشبه “جسرًا بحريًا” من الأسمنت.
وتُظهر الأرقام أن مصر استغلت غياب الأسمنت التركي بشكل مباشر. فبعد أن أعلنت تركيا في أبريل 2024 وقف تصدير أكثر من 50 منتجًا لإسرائيل، من بينها الأسمنت، ارتفع المتوسط الشهري لصادرات مصر من الأسمنت من 2.6 مليون دولار إلى أكثر من 20 مليون دولار، بنسبة زيادة تقارب 660%.
خيانة علنية: تحالف اقتصادي مع الاحتلال وسط المجازر
في ظل هذه الحقائق، تبرز سياسة النظام المصري بقيادة السيسي كواحدة من أبرز مظاهر التطبيع غير المعلن مع الاحتلال الإسرائيلي، بل وتتجاوز التطبيع إلى المشاركة الفعلية في التغطية على جرائمه، عبر توفير ما يحتاجه لإعادة إعمار ما تهدم من منشآته الاستيطانية والعسكرية، بينما لا تزال غزة تئن تحت ركام أكثر من 436 ألف منزل مدمّر.
المأساة تتجاوز الجوانب الاقتصادية. فحين يصبح النظام العربي الأكبر عددًا وسكانًا، مصدرًا رئيسيًا لمواد البناء التي تُستخدم في تمكين احتلال يشن حربًا إباديّة على شعب عربي شقيق، فإن ذلك يشكّل انتكاسة أخلاقية وجريمة قومية.
هذا الدعم يأتي في وقت تقول فيه الأمم المتحدة إن إزالة ركام غزة سيستغرق عقودًا، بسبب حجم الدمار الذي خلفته حرب الاحتلال.
الاحتلال لا يعاني إذًا من العزلة، بل يجد من يسعفه ويغذّيه من أقرب جارٍ عربي، على حساب دماء أطفال فلسطين. والمثير أن صادرات الأسمنت ليست سوى مثال صغير، ضمن مئات المنتجات التي تصدّرها مصر إلى إسرائيل في صمت تام، ودون أي رقابة شعبية أو مساءلة سياسية.
الشعب مع غزة.. والنظام مع الاحتلال
ما يجري ليس مجرد تجارة. هو مؤشر على انفصال النظام المصري عن نبض شعبه وتاريخه ومبادئه القومية.
فبينما يهتف ملايين العرب في الشوارع دعمًا لفلسطين، ويقاطعون المنتجات الداعمة للاحتلال، يسجّل نظام السيسي أرقامًا قياسية في دعم تل أبيب. لم يكتفِ النظام بإغلاق المعابر أمام المساعدات، بل حوّل بعض موانئه إلى بوابات دعم مباشر لإسرائيل.
إن استمرار هذا المسار لا يعني فقط خيانةً لغزة، بل يعكس تحوّلاً خطيرًا في موقع مصر من القضية الفلسطينية.
وهو ما يوجب على القوى الوطنية والإعلام الحر والمؤسسات الحقوقية أن ترفع الصوت عاليًا لكشف هذه الجرائم الاقتصادية والأخلاقية التي تُرتكب باسم “المصلحة القومية”، بينما حقيقتها أنها خضوع مذل لتحالف الاحتلال والاستبداد.
اقرأ أيضًا : وسط خنوع السيسي.. ترامب يطالب بمرور السفن الأميركية مجانًا بقناة السويس