منذ صدور تقرير لجنة خبراء مجلس الأمن المعنية بالسودان في أبريل 2025، سارعت الإمارات إلى الادعاء بانتصار دبلوماسي وهمي، مدعية أن التقرير “برّأها” من التورط في النزاع السوداني، وأنه دحض الاتهامات التي وجهها إليها الجيش السوداني بشأن دعمها لقوات الدعم السريع بالسلاح والمال. لكن الحقيقة التي يكشفها نص التقرير، والوقائع المحيطة بصدوره، تقول شيئًا مختلفًا تمامًا: الإمارات ما زالت في قلب دائرة الاشتباه، والتحقيقات ما زالت جارية، وأي محاولة لغلق الملف أو تبرئة أبوظبي الآن هي كذبة سياسية مفضوحة.
تحقيقات لم تنتهِ
تقرير لجنة خبراء الأمم المتحدة لم يبرئ الإمارات، بل أشار بوضوح إلى أن التحقيقات بشأن دورها المحتمل في النزاع لم تُغلق.
على العكس، كشف التقرير عن قرائن قوية تستدعي الاستمرار في التتبع، وأشار إلى غياب التعاون الإماراتي في تقديم البيانات المطلوبة لتحديد حقيقة ما جرى.
فقد وثّق التقرير وجود أكثر من 24 رحلة جوية مشبوهة هبطت في مطارات بتشاد على مقربة من الحدود السودانية، بعضها انطلق من مطارات إماراتية كالعين ورأس الخيمة، وتوقف عن إرسال بياناته للرادارات في توقيتات مريبة. هذه الرحلات، بحسب خبراء الأمم المتحدة، تزامنت مع فترات تصعيد ميداني لقوات الدعم السريع في دارفور، ما يرجح أنها كانت جزءًا من شبكة نقل إمدادات عسكرية.
ورغم هذه الشبهات، امتنعت الإمارات عن تقديم بيانات الشحن لتلك الرحلات، متذرعة بأن المهلة الزمنية لم تكن كافية. هذا وحده يُعد مؤشرًا خطيرًا، إذ أن الدولة التي تزعم البراءة، يجب أن تكون أول المتعاونين لتفنيد الاتهامات. لكن أبوظبي، كعادتها، تهربت من الشفافية، لتبقى بذلك الشكوك قائمة.
قرائن لا تُمحى
بعيدًا عن الرحلات الجوية، كشف التقرير أن قوات الدعم السريع في جرائمها استخدمت قذائف هاون عيار 81 ملم طُبعت عليها أرقام تسلسلية تعود إلى دفعة أسلحة استوردها الجيش الإماراتي من بلغاريا عام 2019. ورغم أن اللجنة لم تتمكن من تحديد مسار هذه القذائف من الإمارات إلى السودان، إلا أن وجودها المادي في يد مليشيا ترتكب جرائم إبادة، وكان يُفترض أن تكون في مستودعات الجيش الإماراتي، يُعد قرينة ثقيلة على وجود خلل، إن لم يكن تورطًا مباشرًا.
هذا الاكتشاف يؤكد ما قاله مرارًا مسؤولون سودانيون: أن الإمارات استخدمت واجهات وشبكات تهريب عبر تشاد وليبيا لتسليح قوات الدعم السريع، بهدف السيطرة على مسار الانتقال السياسي في السودان بعد الثورة، وتقويض أي تحول ديمقراطي لا يتماشى مع رؤية أبوظبي الإقليمية القائمة على دعم الجنرالات والانقلابات.
كذبة “البراءة” الإعلامية
الإعلام الإماراتي، ومن خلفه البعثة الدبلوماسية في نيويورك، لم يتورع عن تزوير الحقائق. فبينما استخدمت لجنة الخبراء لغة دقيقة ومحايدة ومبدأية، تقول إن “الأدلة حتى الآن لم تكتمل ولم تكن كافية لإثبات التورط”، خرجت أبوظبي لتقول إن “الأمم المتحدة برأتنا بالكامل”. وهذا تزوير صريح.
فالتقرير لم يقل مطلقا إن الإمارات “بريئة”، بل قال إن اللجنة لم تتوصل إلى دليل حاسم حتى لحظة إعداد التقرير، في ظل عدم التعاون الكامل من الأطراف المعنية، وفي مقدمتها الإمارات نفسها.
وإذا كانت اللجنة لم توجه اتهامًا صريحًا، فإنها في المقابل تركت الباب مفتوحًا تمامًا لمزيد من التحقيق، بل وأشارت إلى أنها لا تزال بانتظار معلومات رسمية من دول – منها الإمارات – لاستكمال فحص بعض الشحنات.
الجيش السوداني… ودور لم يكتمل
رغم كل هذه القرائن، ما زال الملف بحاجة إلى تثبيت قانوني واضح. هنا يأتي دور الجيش السوداني، الذي بادر منذ بداية النزاع إلى فضح الدور الإماراتي، ورفع الصوت في المنابر الدولية، لكنه لم يستكمل حتى الآن مهمته بالكامل.
ما يحتاجه السودان اليوم هو تقديم ملف موثق شامل بالأدلة المادية، يشمل شهادات، بيانات لوجستية، صور أقمار صناعية، سجلات شحن، وقوائم تتبع للأسلحة التي انتقلت عبر دول ثالثة. التحقيق الأممي لن يصل إلى نتائج قاطعة دون تعاون الأطراف المتضررة، وأولها الجيش السوداني.
أمام الجيش الآن فرصة تاريخية لوضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته، وتحويل الشبهات إلى إدانة، والقرائن إلى حكم. المطلوب ليس فقط كشف تورط الإمارات، بل إثبات كيف ساهم هذا الدعم في تسهيل الإبادة الجماعية في دارفور، ودعم انقلاب عسكري متمرد، وخنق المسار الديمقراطي في السودان.
الإمارات لا تزال في قلب الجريمة
كل ما تقدمه أبوظبي اليوم من نفي إعلامي وابتسامات دبلوماسية لا يمحو حقيقة أنها لا تزال في قلب واحدة من أكبر الجرائم في إفريقيا اليوم. فحتى لو لم يُثبت التقرير الأممي تورطًا مباشرًا حتى الآن، ولن نستطيع أن نتجاهل الدعم الضخم من اللوبي الصهيوني حول العالم للنظام الإماراتي لتقليص الانتقادات حوله ومحاولة تبرئته، لكن ومع كل هذه المساعي الخبيثة ومحاولات الضغط المكثفة خرج التقرير مثيرا للشكوك معلنا أن التحقيقات لم تُغلق، والشبهات ما زالت تتراكم، والقرائن تتسع.
وعليه فإن النظام الإماراتي ليست بريئا. بل هو طرفٌ يحتمي بقوة المال والنفوذ السياسي، ويشتري الصمت تارة، والتأجيل تارة أخرى. لكن الجرائم لا تسقط بالتقادم، والحقائق لا تُدفن إلى الأبد.
المعركة لم تنتهِ
في الوقت الذي تحتفل فيه الإمارات بتقرير لم يبرّئها، وفي الوقت الذي تحاول فيه تصوير نفسها كدولة سلام وإنسانية، ما زالت الطائرات التي انطلقت من مطاراتها تحوم في ذاكرة السودانيين، وما زالت قذائفها تُقصف بها قرى دارفور.
المعركة لم تنته. بل هي في بدايتها. والمطلوب الآن، وأكثر من أي وقت مضى، أن تستكمل المؤسسات السودانية، وعلى رأسها الجيش، تقديم ما لديها من أدلة، وكشف ما تبقى من خيوط، لإدانة النظام الإماراتي علنًا، وإسقاط قناع الحياد عنه نهائيًا.
فلا سلام في السودان قبل أن تُعرّي العدالة من كان سببًا في إذكاء الحرب. ولا مصالحة قبل كشف من موّل القتلة.
والإمارات، بكل ما فيها من سلطة ونفوذ ودعم عالمي ضخم لم تسلب اعترافا بالبراءة، ولا تزال بين أيدي التحقيق.