في ظل أزمة اقتصادية خانقة، يبدو أن الحكومة المصرية بقيادة عبد الفتاح السيسي قد استسهلت طريق التفريط بأصول الدولة كوسيلة للهروب من ضغط الديون وانهيار العملة، لتجد نفسها فريسة لصناديق استثمار عربية وأجنبية تُسعّر الشركات والمرافق الاستراتيجية بأقل من قيمتها، تحت غطاء برامج الخصخصة والتمكين للقطاع الخاص.
فبعد سلسلة تعثرات في بيع شركات وطنية بسبب عروض “متدنية”، تتجه القاهرة الآن لعرض المطارات والموانئ على ذات الصناديق، في مشهد يعكس تراجع السيادة الاقتصادية وتحول الدولة إلى ساحة تصفية كبرى.

أصول مصر تُباع بأقل من قيمتها: لماذا “تبخّس” الصناديق الخليجية؟
في مايو الجاري، نشرت صحيفة “الشروق” المصرية أن الحكومة قررت التراجع عن بيع شركات كبرى ضمن برنامج الطروحات الحكومية بسبب ضعف العروض المقدمة، خاصة من صناديق عربية، واستبدال هذه الخطوة بطرح المطارات للتطوير أو البيع.
هذه الخطوة، التي تبدو فنية للوهلة الأولى، تخفي في طياتها أزمة بنيوية أعمق، تتعلق برؤية النظام المصري الحالي لماهية الدولة ووظائفها، وسط انتقادات داخلية حادة.
فالعروض الخليجية، التي اعتبرت “أقل من القيمة العادلة” وفق الصحيفة، جاءت كتكرار لمشهد عام 2023، حين أصر مستثمرون خليجيون على تقييم الأصول بالجنيه المصري وليس بالدولار، ما أفشل حينها جولات طروحات متعددة.
واليوم، تعود الحكومة للساحة ذاتها، في توقيت أكثر هشاشة، مدفوعة بحاجة ماسة للدولار ورضوخاً لشروط صندوق النقد الدولي.
وبينما تسعى الحكومة لجمع 4-5 مليارات دولار من بيع 11 شركة حتى عام 2026، تأتي الصدمة أن الشركات التي تُعرض تُقيّم بأقل من نصف قيمتها. على سبيل المثال، تعثر بيع “بنك القاهرة” بسبب عروض لم تتجاوز 1.5 مليار دولار رغم أن تقييمه يتجاوز ملياري دولار. وذات الحال يتكرر مع “بنك الإسكندرية”، و”المصرف المتحد”، وشركة “سيمنس للطاقة”.
المطارات بديلاً للشركات
تحت ضغط الفشل في بيع الشركات، اختارت الحكومة المصرية التوجه نحو ما تبقى من مرافقها الحيوية، عبر ما تسميه “خطة لتطوير المطارات”، لكن الواقع يظهر أن هذه الخطط تتجه إلى خصخصة جزئية أو كلية لمطارات وموانئ واستثمارات استراتيجية.
وبدأت الحكومة فعلياً بعرض مطار الغردقة على المستثمرين ضمن اتفاق مع مؤسسة التمويل الدولية لتطوير 11 مطاراً بمشاركة القطاع الخاص. الخطر هنا لا يكمن فقط في بيع أو تطوير المطارات، بل في التحول التدريجي لوضع مفاصل البنية التحتية للبلاد تحت قبضة مستثمرين أجانب، خاصة من الخليج، الذين باتوا يمتلكون فعلياً حصصاً ضخمة من أراضي مصر وسواحلها وفنادقها وموانئها.
ولعل المثال الأبرز على ذلك هو صفقة “رأس الحكمة” التي منحت الإمارات السيطرة على 170 مليون متر مربع من أراضي الساحل الشمالي، وصفقات أخرى منحت أبو ظبي وإداراتها سيطرة جزئية على 7 فنادق تاريخية تابعة لشركة “إيكون”.
اقتصاديون يدقون ناقوس الخطر
الخبير الاقتصادي أحمد البهائي حذر في تصريحات من أن ما يحدث ليس مجرد خصخصة عشوائية، بل عملية تصفية منظمة لممتلكات الدولة لصالح نفوذ خليجي وأجنبي رأسمالي احتكاري. وأضاف أن ما يجري اليوم من تفكيك للشركات المصرية وبيع للمطارات والموانئ إنما هو صورة حديثة من صور الاستعمار، تقوم على النفوذ الاقتصادي بدلاً من الاحتلال العسكري.
أما أستاذة الاقتصاد بجامعة القاهرة علياء المهدي، فوجهت انتقادات لاذعة للحكومة، داعية إلى أن تتم الطروحات وفق شروط تضمن الحد الأدنى من الحماية للأصول المصرية، وعلى رأسها التقييم العادل، وضمان عدم الاستغناء عن العمالة، واشتراط ضخ استثمارات حقيقية.
لكن في ظل الواقع الحالي، لا يبدو أن هذه الاشتراطات تجد آذاناً صاغية لدى الحكومة المصرية، التي تجد نفسها تحت ضغوط شديدة من صندوق النقد الدولي، الذي يطالب بمزيد من التخارج الحكومي، وتسريع بيع الأصول، مقابل صرف الشريحة الجديدة من القرض البالغ 8 مليارات دولار.
السيسي و”تفكيك الدولة”: ماذا تبقى من مصر؟
ما يحدث اليوم لا يمكن فصله عن نهج نظام عبد الفتاح السيسي منذ حصوله على أول قرض من صندوق النقد عام 2016، والذي اتجه فيه بشكل صريح لبيع ممتلكات الدولة مقابل تدفق نقدي مؤقت بالعملة الأجنبية. وبحسب بيانات رسمية، نفذت مصر 33 عملية بيع كلي أو جزئي لأصول حكومية منذ مارس 2022 حتى يونيو 2024، مقابل نحو 30 مليار دولار، فيما ارتفع الدين الخارجي إلى أكثر من 160 مليار دولار.
وبينما تبرر الحكومة خطوتها بأنها لصالح “تمكين القطاع الخاص”، تشير الحقائق إلى أن القطاع الخاص المصري شبه غائب عن الصفقات، في ظل تفرد المستثمر الخليجي والاستراتيجي بها، خاصة الإماراتي، وهو ما يُفرغ شعارات الإصلاح من مضمونها.
توقيع عقود طويلة الأجل تمتد لـ50 سنة، كما هو الحال في اتفاقية موانئ أبوظبي مع هيئة قناة السويس، أو بيع حصص ضخمة من الشركات السياحية والمستشفيات، أو التنازل عن أراضٍ في قناة السويس للشركات الروسية، كلها إشارات واضحة على أن النظام المصري يفرط تدريجياً في استقلال البلاد الاقتصادي تحت لافتة “الإصلاح” و”الإنقاذ المالي”.
هل تبقى ما يمكن بيعه؟
في ظل هذا التسارع في بيع الأصول، و”تبخيس” قيمتها من قبل صناديق استثمار عربية، تطرح تساؤلات حقيقية عن السيادة الاقتصادية للدولة المصرية، وعن مصير الجيل القادم الذي قد لا يجد أرضاً يقف عليها أو مستشفى يتعالج فيه أو شركة يعمل بها.
السيسي، الذي قدّم نفسه حامي الدولة المصرية، يبدو اليوم وكأنه أكبر مفرّط في أصولها، وبائعها للوافدين بسعر “البخس”، لا لإنعاش الاقتصاد، بل لتسكين جراح العملة والدين، وهو ما قد يعمّق الجراح بدل أن يداويها.
اقرأ أيضًا : ستارمر يواجه السيسي بملف علاء عبد الفتاح.. اختبار مبكر لحكومة بريطانيا في ملف حقوق الإنسان بمصر