عضو مجلس الأعيان الأردني عمر العياصرة ليس مجرد اسم سياسي عابر، بل حالة تستحق التوقف والتحليل، لما تمثّله من انقلاب جذري في المواقف وتحول دراماتيكي من متهم في قضايا أمن دولة إلى رأس حربة في الدفاع عن رواية السلطة وتبرير بطشها. في هذا التقرير نتناول شخصية عمر العياصرة من زاوية مواقفه المتناقضة والمثيرة للجدل، واصطفافه الواضح مع السلطة في قضايا تمس حرية التعبير والمقاومة، وتحوله من متهم في قضايا كبرى إلى ناطق باسم المنظومة التي كادت أن تنهي حياته. يتتبع التقرير أبرز محطات العياصرة، ويكشف كيف أدار ظهره لمن أنقذوه، وكيف أصبح مجرد أداة لتبرير القمع، متلبسًا بثوب النائب، حاملًا نبرة الضابط.
الأزمة التي فجّرت موجة الغضب الأخيرة تجاه العياصرة جاءت عقب تصدّره وسائل الإعلام للدفاع بشراسة عن موقف السلطة وتبني روايتها في قضية اعتقال مجموعة من الشباب الأردنيين، اتُّهموا بأعمال قال عنها العياصرة إنها تخل بأمن الوطن، متجاهلًا أن لوائح الاتهام نفسها تؤكد أن أفعالهم كانت موجهة نحو الاحتلال في فلسطين، لا الدولة الأردنية. شنّ حملة تشويه واضحة ضد المعتقلين، وشيطنهم علنًا، وأيّد القرار السياسي بحل جماعة الإخوان المسلمين بحجة أنها بيئة حاضنة للعنف، رغم أن الجماعة ذاتها هي التي أنقذته يومًا ما من حبل المشنقة.
لم يتوقف العياصرة لحظة واحدة للتفكير في سياق القضية، شيطن هؤلاء الشباب، وصفهم بأنهم خطر على الدولة، ردد رواية الاتهام كما وردت دون حتى أن يقرأ ما كُتب فيها من أن أفعالهم كانت موجهة للاحتلال في فلسطين. ساهم في التغطية السياسية لحملة الاعتقالات، ودافع عن أحكام قاسية بالسجن لعشرين عامًا، وكأن هؤلاء الشباب لم يكن لهم أي دافع سوى التخريب. لا مساحة في خطابه لأي اعتبار لما ارتكبته إسرائيل من مذابح، ولا لأثر الدم الفلسطيني على وعي هذا الجيل، بل كل ما فعله هو محو دوافعهم الإنسانية وإعادة تسويقهم كأعداء داخليين.
أراد من خلال مقابلته الأخيرة مع محمد أبو رمان أن يصحح صورته ويبرر مواقفه، خاصة بعد تصاعد الهجوم عليه من مختلف الأطياف، لكنه بدلًا من أن ينجح في التبرير، تورّط أكثر، وأثبت أنه عضو مجلس أعيان برتبة ضابط مخابرات، يتحدث بنفس الأسلوب، وبنفس المنطق الأمني البارد. قدّم دفاعًا شرسًا عن موقف النظام، حاول تلميع صورة الدولة، برأ المخابرات من تهمة تلفيق القضايا، لكنه في ذات المقابلة تناقض مع نفسه حين أقر بأن المخابرات في قضيته السابقة انتزعت الاعترافات منه بالإكراه، وأن محكمة التمييز برّأته على هذا الأساس. التناقض لم يكن عرضًا، بل جوهرًا في سرديته، فكل ما قاله في تلك المقابلة نسف حججه، وأعاد التذكير بتاريخ يتجنب الخوض فيه.
حديثه عن قضية مؤتة العسكرية ومحاولة اغتيال الملك حسين جاء استجابة لنصيحة أبو رمان، في محاولة لتخفيف الغضب المتصاعد. لكنه حين فتح هذا الباب، جرّ على نفسه تذكيرًا مؤلمًا بواقعة كادت تودي بحياته، ولولا تحرك الإخوان المسلمين وضغطهم في ذلك الحين لأعدم عياصرة ومن معه. المرحوم عبد اللطيف عربيات، رئيس مجلس النواب آنذاك وأحد كبار رموز الجماعة، كان في طليعة من دافعوا عنهم سياسيًا، أما فريق الدفاع القانوني فكان يقوده النائب الحالي صالح العرموطي، أحد رموز جبهة العمل الإسلامي. كل هذا الدعم نسيه العياصرة، أو اختار أن يتنكر له، حين أيد حل الجماعة، وهاجم من يسيرون على نهجها، ووقف في صف من كان يطالب برأسه.
هذا السلوك لا يعكس فقط تناقضًا سياسيًا، بل سقوطًا أخلاقيًا. لم يجد عذرًا للشباب الذين شاهدوا المجازر اليومية في غزة، واختاروا أن يقوموا بواجبهم في دعم المقاومة، وواجهوا محاكمات قاسية، وحكمًا ظالمًا بالسجن عشرين عامًا، كل ذلك تحت غطاء من الصمت الإعلامي والدفاع الأعمى، كان العياصرة من أبرز صانعيه. بدل أن يتعاطف معهم، هاجمهم، وحرّض ضدهم، وساهم مع أبواق السلطة في شرعنة الأحكام القاسية، وتأجيج الانقسام داخل المجتمع.
انخراطه في المشهد الإعلامي والسياسي الأخير لم يكن عرضًا طارئًا، بل تكريسًا واضحًا لوظيفته كمدافع شرس عن النظام، لا كصاحب رأي أو محلل مستقل. يتحدث بنبرة مملوءة بالثقة الزائفة، يكرر اتهامات جاهزة، يهاجم خصوم الدولة كما لو كان ناطقًا باسم أحد أجهزتها، يرافع عن قرارات السلطة كما لو كان شريكًا في صناعتها. دفاعه لا ينبع من اقتناع، بل من دور يؤديه بإتقان منذ لحظة صعوده إلى مجلس الأعيان، حين خلع عنه كل ما تبقى من رماد الموقف المعارض، وارتدى بدلة السلطة حتى صارت جلده.
هذا هو عمر العياصرة، لا هو وفي لتاريخه، ولا صادق في حاضره، لا حافظ لجميل من أنقذوه، ولا نزيه في تقييم من ساروا على خطى المقاومة. مجرد وجه جديد للسلطة القديمة، يحاول أن يبدو مفكرًا بينما يمارس دور المخبر، يوزّع الاتهامات كما كانت توزع عليه، ويتحدث باسم الدولة التي كانت بالأمس تضع رقبته تحت السيف.