في تطور سياسي لافت يعكس حالة الانقسام والارتباك داخل الساحة الإسرائيلية، أعلنت عدة أحزاب إسرائيلية معارضة نيتها طرح مشروع قانون لحل الكنيست الأسبوع المقبل والدعوة إلى انتخابات مبكرة. 

هذه الخطوة تأتي في ظل تصاعد الخلافات داخل الحكومة اليمينية بقيادة بنيامين نتنياهو، وفي وقت تتلقى فيه إسرائيل ضربات مؤلمة من المقاومة الفلسطينية التي نجحت في توسيع رقعة استهدافها للعمق الإسرائيلي، بما في ذلك تل أبيب ومطار بن غوريون، مما أحرج الحكومة وعمّق أزمتها.

خلافات الحكومة تتفجّر: الحريديم على وشك الانسحاب

أبرز المحركات لهذه التطورات السياسية المفاجئة هو الانقسام العميق داخل الائتلاف الحكومي، خصوصاً بين مكونات التيار الديني الحريدي والأحزاب اليمينية المتطرفة.

فقد ذكرت صحيفة “يديعوت أحرونوت” أن المرجعيات الدينية الأشكنازية أوعزت لأعضاء الكنيست المنتمين لأحزاب الحريديم بتأييد مشروع قانون حل الكنيست، على خلفية فشل تمرير قانون الإعفاء من التجنيد الإجباري لطلبة المعاهد الدينية، والذي يشكل مطلباً مركزياً لهم.

وتُعد هذه الأزمة امتداداً لتوترات طويلة الأمد داخل الحكومة الحالية، والتي تضم أطرافاً متناقضة المصالح، تجمعها فقط المصلحة المشتركة في إبقاء نتنياهو في السلطة، لكنها تفشل مراراً في التوصل لتوافقات تشريعية وسياسية، خاصة في ظل تعقيدات الحرب على غزة. وقد نقلت القناة 12 العبرية أن موشي غافني، رئيس الكتلة البرلمانية لحزب “يهدوت هتوراه”، تلقى تعليمات مباشرة بالعمل على إسقاط الحكومة، وهو ما يعزز احتمالات تفككها فعلاً.

المعارضة تتحرك: قانون حل الكنيست على الطاولة

بالتوازي مع الانقسام الحكومي، أعلنت أحزاب المعارضة، وفي مقدمتها “العمل”، “إسرائيل بيتنا”، و”هناك مستقبل” برئاسة يائير لبيد، أنها ستتقدم خلال الأسبوع المقبل بمشروع قانون لحل الكنيست.

ووفق المعطيات الأولية، فإن هذا المشروع قد يلقى دعماً من كتل داخل الائتلاف ذاته، إذا ما استمرت التصدعات الحالية، خاصة من جانب أحزاب الحريديم الغاضبة، ما قد يحقق الأغلبية المطلوبة لحل الكنيست.

ورغم أن فرص نجاح مشروع القانون لا تزال مرهونة بتطورات الساعات المقبلة داخل أروقة الكنيست، إلا أن مجرد طرحه يعكس تصاعد الضغط على نتنياهو من كل الاتجاهات: معارضة داخلية، انقسامات في الائتلاف، وانتقادات خارجية متصاعدة بفعل استمرار العدوان على غزة. 

كما يواجه نتنياهو أيضاً متاعب قانونية بعد بدء الادعاء العام هذا الأسبوع باستجوابه في المحكمة ضمن ملفات فساد، مما يزيد من هشاشة موقعه السياسي.

غزة على طاولة الانتخابات: الحرب كأداة دعاية

في حين قد يرى البعض في هذه التحركات خطوة لوقف الحرب أو إعادة تقييم الخيارات الإسرائيلية، يرى مراقبون أن حل الكنيست قد لا يغير شيئاً في مسار العدوان على غزة.

فنتنياهو لا يزال يراهن على استمرار الحرب واستخدامها كورقة انتخابية تضمن له استقطاب الناخبين اليمينيين، خاصة في ظل فشل حكومة الاحتلال حتى الآن في تحقيق أهدافها المعلنة سواء من خلال استعادة الأسرى أو إسقاط حكم المقاومة في القطاع.

وبحسب التحليلات السياسية، فإن نتنياهو يوظف الحرب في غزة لتأخير الاستحقاقات السياسية والقضائية، ويتجنب التوصل لأي تسوية جزئية قد تُفسّر بأنها “انتصار لحماس”. 

بل إنه يعمل على سحب ورقة الأسرى من يد المقاومة، ورفض حتى الآن المقترحات المتعلقة بوقف إطلاق النار أو الانسحاب من رفح، بما يعزز خطابه الشعبوي بأن “إسرائيل لم تهزم بعد”.

ضربات المقاومة تعمّق المأزق الإسرائيلي

في المقابل، واصلت المقاومة الفلسطينية توجيه ضرباتها الدقيقة إلى العمق الإسرائيلي، ما ضاعف من أزمة الثقة داخل المجتمع الإسرائيلي تجاه حكومته. 

فخلال الأسبوع الماضي فقط، أعلنت كتائب القسام استهدافها لمدينة تل أبيب بصواريخ بعيدة المدى، وتحدثت وسائل إعلام عبرية عن تعطّل حركة الطيران في مطار بن غوريون مؤقتاً، وإخلاء منشآت حيوية خوفاً من التصعيد.

هذا النجاح الميداني للمقاومة، رغم مرور أكثر من 240 يوماً على الحرب، يُعد بمثابة إحراج سياسي وأمني للحكومة الإسرائيلية، ويُضعف رواية “النصر القريب” التي روّج لها نتنياهو ووزراؤه في الأشهر الأولى من الحرب. 

بل إن استمرار عمليات التسلل، وتعرض الجنود للكمائن في غزة كما حدث مؤخراً في جباليا، يكشف حجم الفشل الاستخباراتي والعسكري للجيش الإسرائيلي.

خاتمة: أزمة إسرائيل تتفاقم بين الداخل والجبهة

في ظل هذه الأزمات المتداخلة، تبدو إسرائيل وكأنها تُحاصر من الداخل والخارج في آن واحد. فشل الحكومة في إدارة الحرب والملف الداخلي، تصاعد الخلافات داخل الائتلاف، تهديد الحريديم بالانسحاب، ضغوط المحكمة، وضربات المقاومة المتصاعدة… كلها عوامل تدفع نحو حل الكنيست وفتح الباب أمام انتخابات مبكرة.

لكن السؤال الأهم: هل تُنهي الانتخابات المقبلة مأزق الاحتلال في غزة؟ أم تُعيد إنتاج الأزمة بصورة جديدة؟ الأرجح أن إسرائيل ستدخل مرحلة جديدة من الفوضى السياسية والعسكرية، في ظل استمرار المقاومة الفلسطينية في توجيه الضربات، وتآكل قدرة نتنياهو على المناورة داخلياً وخارجياً.

اقرأ أيضًا : مجزرة ويتكوف.. الاحتلال يحوّل المساعدات الأمريكية إلى مصائد موت وجماهير تتهم واشنطن بالتواطؤ