في خطوة اعتبرها مراقبون تصعيدًا خطيرًا يهدد استقرار الحدود الجنوبية لسوريا، أعلن جيش الاحتلال الإسرائيلي، عبر إذاعته العسكرية، عن تنفيذ عملية عسكرية داخل الأراضي السورية، اعتُقل خلالها عدد من المواطنين السوريين في قرية بيت جن، الواقعة جنوب البلاد، وعلى بعد أقل من عشرة كيلومترات من الحدود مع الجولان المحتل.
بحسب بيان الإذاعة العسكرية الإسرائيلية، فإن “قوات من لواء الإسكندروني نفذت الليلة الماضية عملية ميدانية في قرية بيت جن، واعتقلت عدداً من المواطنين السوريين للاشتباه بتورطهم في أعمال إرهابية”. ولم تُعلن إسرائيل عن عدد المعتقلين ولا عن الجهة التي تم نقلهم إليها، وسط صمت رسمي من قبل جيش الاحتلال وعدم إصدار أي بيان تفصيلي عن العملية.
تغول عسكري مستمر وتعدٍ صارخ
هذا التطور الميداني الخطير يعكس اتجاها متزايدًا لدى المؤسسة العسكرية الإسرائيلية نحو تنفيذ عمليات برية مباشرة داخل العمق السوري، في ظل غياب أي ردع فعلي أو موقف دولي واضح تجاه هذه الانتهاكات المستمرة للسيادة السورية.
فعملية بيت جن ليست الأولى، بل تأتي بعد أيام من قيام جيش الاحتلال باحتجاز سيارة وثلاثة من عمال النظافة قرب بلدة القحطانية في ريف القنيطرة الغربي، وهي الحادثة التي أعلنت عنها محافظة القنيطرة دون أن تقدم تفاصيل إضافية حول مصير المحتجزين أو أسباب الاعتقال.
وبحسب معطيات ميدانية، فإن قرية بيت جن تقع في منطقة استراتيجية قريبة من التماس مع الجولان المحتل، وتحيط بها مواقع ونقاط مراقبة لقوات النظام السوري.
وتُعد المنطقة جزءًا من منطقة الفصل من السلاح المنصوص عليها في اتفاقية فك الاشتباك الموقعة عام 1974، وهي الاتفاقية التي أعلنت إسرائيل رسميًا انهيارها في ديسمبر/كانون الأول 2024، حين اجتاح جيشها المنطقة العازلة وأعاد احتلال أجزاء منها.
انهيار اتفاقيات وضرب بعرض الحائط للقانون الدولي
منذ إعلان إسرائيل عن انهيار اتفاق فصل القوات، بدا أن تل أبيب تسعى لإعادة رسم المعادلات الأمنية في الجنوب السوري بشكل أحادي، من دون تنسيق أو التزام باتفاقيات سابقة.
وقد أدى هذا التغيير إلى توسيع هامش تدخلها المباشر، سواء عبر الضربات الجوية المتكررة التي تطال مواقع إيرانية ومخازن أسلحة، أو عبر التوغلات البرية المحدودة التي يُراد منها إيصال رسائل سياسية وعسكرية إلى كل من النظام السوري وحلفائه.
وقد سبق أن أعلن وزير الخارجية السوري، أسعد الشيباني، في مطلع يونيو الجاري أن بلاده لا تسعى إلى أي صدام عسكري مع إسرائيل، مؤكدًا تمسك دمشق باتفاق فصل القوات ودعوتها لاحترامه.
لكن على ما يبدو، فإن تل أبيب تعتبر الانشغال السوري في قضايا داخلية وغياب موقف دولي حازم بمثابة فرصة لإعادة تموضعها داخل الجغرافيا السورية.
تسويق الاحتلال كفاعل تفاوضي
بالتوازي مع هذه التوغلات العسكرية، كشفت تقارير أمريكية أن رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو أبلغ المبعوث الأمريكي إلى سوريا، توم باراك، برغبته في بدء مفاوضات مع “الحكومة السورية الجديدة”، في إشارة ضمنية إلى مرحلة ما بعد النظام الحالي، وفقًا لما نقله موقع “أكسيوس”.
ونقل الموقع عن مسؤول إسرائيلي رفيع قوله إن نتنياهو “يرغب في التفاوض على اتفاقية أمنية محدثة، وربما اتفاق سلام شامل”، وهي خطوة تطرح تساؤلات عن مدى جدية إسرائيل في فتح قنوات سياسية، في ظل ممارساتها الاستفزازية على الأرض التي تؤكد نقيض ذلك تمامًا.
سياسة الأمر الواقع بقوة السلاح
يرى مراقبون أن إسرائيل تسعى إلى فرض سياسة الأمر الواقع على الأرض من خلال عملياتها العسكرية المتزايدة، لتجعل من تلك التوغلات أوراقًا تفاوضية في أي مباحثات مستقبلية محتملة بشأن مستقبل الجولان أو طبيعة الترتيبات الأمنية على حدودها الشمالية.
ويُشير تصاعد عمليات الاعتقال داخل سوريا إلى تحول استراتيجي في عقلية جيش الاحتلال، من الاكتفاء بالغارات الجوية إلى التوغل البري، ما يعني تصعيدًا قد يقود إلى اشتباكات غير محسوبة أو ردود فعل من أطراف حليفة لدمشق، بما في ذلك إيران أو ميليشيات موالية لها تنشط في المنطقة.
صمت دولي مريب وتشجيع ضمني
في ظل هذا التصعيد، تلتزم الأمم المتحدة والدول الكبرى، وخاصة الولايات المتحدة، صمتًا مطبقًا حيال الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة على الأراضي السورية. ويعتبر البعض أن هذا الصمت لا يعكس فقط تقاعسًا دبلوماسيًا، بل يحمل ضمنًا رسائل تشجيع لإسرائيل على الاستمرار في انتهاكاتها تحت شعار “مكافحة الإرهاب” أو “منع التمدد الإيراني”.
في المحصلة، تكشف عملية بيت جن وما سبقها من انتهاكات، عن طبيعة العقلية الإسرائيلية القائمة على التوسع، ورفض أي التزام قانوني، والتعامل مع سوريا كمنطقة مفتوحة للضربات والعمليات من دون تكلفة سياسية أو عسكرية. وهو ما يستدعي تحركًا عربيًا ودوليًا جادًا يضع حدًا لهذا التغول، قبل أن تتفاقم الأمور أكثر.
اقرأ أيضًا : عشرات الجنود الإسرائيليين يرفضون الخدمة في غزة: انقسام داخلي يكشف تفككًا في جبهة الاحتلال