عطفا على ما تقدم في التقرير السابق حول عدم وجود ما يوحي بتفوق للموساد وإنما فقط استغلال المتاح فعليا من أعداء النظام الحاليين المستعدين للتعاون معه ومع غيره.
إلا أن ما أظهره الموساد من نشاط واسع لم يقتصر على العناصر المحلية فحسب، بل امتد ليشمل أنظمة إقليمية متواطئة وفّرت لطهران خاصرتها الرخوة.
أذربيجان
ولعل أبرز الأمثلة دولة أذربيجان شمال إيران، التي تربطها بإسرائيل علاقات وثيقة رغم حساسيتها. فمنذ استقلال أذربيجان عن الاتحاد السوفيتي، عملت تل أبيب على بناء شراكة استراتيجية معها بعيدة عن الأضواء. وقد أقرّ الرئيس الأذربيجاني إلهام علييف بنفسه أن 90% من حجم التعاون مع إسرائيل مخفي تحت السطح ، في إشارة إلى عمق التعاون الأمني والاستخباراتي بين البلدين.
وهذا التعاون أثمر كثيرًا في سياق الصراع مع إيران: تمتلك أذربيجان حدودًا طويلة مع شمال إيران، ومع وجود أقلية أذرية كبيرة داخل إيران، باتت باكو بمثابة بوابة خلفية للموساد يمكن من خلالها التسلل وجمع المعلومات وحتى شن الهجمات. حذّرت طهران مرارًا من وجود عسكري واستخباراتي إسرائيلي قرب حدودها عبر أذربيجان ، لكن باكو نفت رسميًا سماحها باستخدام أراضيها ضد إيران. غير أن الوقائع تروي قصة مختلفة: تتهم إيران جارتها الأذربيجانية بالتواطؤ في عمليات كبرى للموساد. فبعد عملية سرقة الأرشيف النووي الإيراني الجريئة عام 2018، رجّحت طهران أن تهريب الوثائق تم عبر الأراضي الأذربيجانية . كذلك حين ضربت المسيّرات منشأة أصفهان في يناير 2023، أشارت تقارير إيرانية إلى أنها أُطلقت من قواعد في أذربيجان – وهو ما نفته باكو، لكن يؤكده المنطق الجغرافي والسبق التاريخي.
ما الذي يدفع أذربيجان لهذا التواطؤ الخطير؟ الواقع أن مصالحها تلاقت مع إسرائيل على عداوة إيران. فباكو تسعى لتحجيم نفوذ طهران التي تستضيف معارضة أذرية (كتيار ديني في الشمال) ودعمت أرمينيا ضد أذربيجان. كما أن أذربيجان أصبحت أقوى عسكريًا بعد حرب ناغورنو كاراباخ 2020 ووسّعت حدودها مع إيران، ما زاد مخاوف طهران من استثارة المشاعر القومية لدى أذريّي إيران .
في المقابل، تحصل باكو من تل أبيب على أسلحة متطورة (خاصة طائرات من دون طيار) ودعم استخباراتي نوعي. وهكذا، يجد الموساد في الأرض الأذرية منصة مثالية للتجسس وإطلاق العمليات وحتى التجنيد؛ فهناك يمكنه تشغيل إيرانيين من الأقلية الأذرية الذين يكنّ بعضهم تعاطفًا مع باكو وإسرائيل ، مستفيدًا من تقارب اللغة والقومية.
لقد أصبحت هذه الجمهورية السوفيتية السابقة نقطة ارتكاز جيوستراتيجية لإسرائيل في صراعها مع إيران، حتى أن محللين في واشنطن وصفوها بأنها “خاصرة إيران الضعيفة” التي يجيد الإسرائيليون الضغط عليها . وبالفعل، يكاد لا يُذكر اختراق داخل إيران اليوم إلا ويُذكر معه ظل أذربيجان؛ سواء عبر المجال الجوي المفتوح للمسيرات، أو الحدود السائبة لتهريب العملاء والمتفجرات.
الإمارات قائدة التطبيع
إلى الجنوب من إيران، برزت الإمارات العربية المتحدة بعد اتفاقيات التطبيع (إبراهيم 2020) كحلقة جديدة في شبكة المتعاونين مع الصهاينة. فبتوقيع أبوظبي على السلام مع إسرائيل، انفتح الخليج العربي أمام الاستخبارات الإسرائيلية على مصراعيه. لم يعد الموساد بحاجة لوسيط بعيد لمراقبة تحركات إيران البحرية والجوية؛ فالإمارات وفرت له موطئ قدم قريب على الضفة الأخرى من الخليج مقابل الضفة الإيرانية.
وقد وصفت مراكز بحثية إسرائيلية هذا التطور بأن عدو إيران الصهيوني بات على بعد مرمى حجر من سواحلهم. وتعزّزت منذ ذلك الحين قنوات التعاون الأمني بين إسرائيل ودول الخليج (وفي مقدمتها الإمارات والبحرين) بهدف التصدي لنفوذ إيران وتحييد تهديداتها.
فعلى سبيل المثال، كشفت تقارير عام 2021 أن موساد وجّه تحذيرات لأجهزة استخبارات خليجية حول مخططات إيرانية لاستهداف سفارات في أفريقيا، ما أدى لإحباط تلك المخططات بجهد مشترك . هذا المشهد بغض النظر عن صحته فهو مثال لمستوى التنسيق الأمني الذي لم يكن ممكنًا قبل التطبيع، سهّل لإسرائيل رصد التحركات الإيرانية الإقليمية بشكل أفضل.
كذلك فإن أبوظبي قدمت لتل أبيب تسهيلات لوجستية (كالسماح لطائرات استطلاع إسرائيلية باستخدام مطاراتها أو مشاركة معلومات عن النشاطات الإيرانية التجارية والمالية). وبينما تعلن الإمارات أنها تسعى لتهدئة مع إيران، يشير واقع ما خلف الكواليس إلى شراكة أمنية تنمو بصمت مع إسرائيل ضد “العدو المشترك”. لذا يرى البعض أن الأنظمة المُطبّعة أصبحت عمليًا جزءًا من جبهة إسرائيل غير المعلنة ضد طهران، وغيرها من أعداء الاحتلال الصهيوني. وهي في سبيل ذلك تمنح الموساد عمقًا استراتيجيًا إقليميًا كان يفتقده.
ففي حين كانت إيران سابقًا محاطة بدول إسلامية معادية لإسرائيل، تغيّر المشهد اليوم بوجود جوار إقليمي تابع لإسرائيل ومتعاون استخباراتيًا معها. هذا التطبيع حوّل دولًا كالإمارات والبحرين إلى منصات مراقبة وتجسس متقدمة لصالح إسرائيل بالقرب من إيران. وليس من المصادفة مثلًا أن يُعلن عن تفكيك خلايا تجسس للموساد في إيران مرتبطة “بدولة جارة” كما ورد في بيانات طهران الرسمية – حيث يُشار عادةً بأصابع الاتهام إلى قواعد في كردستان العراق أو تسللات عبر أذربيجان، وربما شركات واجهة مرتبطة بالإمارات أيضًا. فشبكة التطبيع والمصالح التي جمعت إسرائيل مع بعض جيران إيران منحت الموساد هامش مناورة غير مسبوق للتقرب من الهدف الإيراني من عدة جهات.
الدور الغربي الخفي: دعم استخباراتي وسياسي
إلى جانب الوكلاء المحليين والحلفاء الإقليميين، لا يمكن إغفال الدور الغربي (الأميركي والأوروبي) في تمكين عمليات الموساد ضد إيران. فالولايات المتحدة وإسرائيل تربطهما شراكة استراتيجية وثيقة، خاصة في ملف إيران، مما يعني تبادل معلومات استخباراتية على أعلى المستويات حول برنامج طهران النووي وتحركات الحرس الثوري وفيلق القدس.
في الماضي، تعاونت CIA والأجهزة الإسرائيلية في عمليات كبرى مثل الهجوم السيبراني بفيروس ستاكسنت الذي عطّل أجهزة تخصيب اليورانيوم الإيرانية عام 2010 . كما يُعتقد أن واشنطن سهّلت لإسرائيل الوصول إلى بعض الأهداف عبر الأقمار الصناعية والمراقبة الإلكترونية المتطورة التي تمتلكها. وبينما تنفي الولايات المتحدة رسميًا مشاركتها في اغتيال العلماء داخل إيران، فإنها لم تُدن إسرائيل على ذلك، ما يُفهم على أنه ضوء أخضر مبطن.
وقد كشفت مصادر أمريكية عام 2012 أن إدارة أوباما كانت على علم وتغضّ الطرف عن دعم الموساد لمجاهدي خلق في تصفية العلماء الإيرانيين ، رغم نفيها أي دور مباشر . كذلك عندما اغتال الإسرائيليون العقيد خدائي في طهران 2022، أسرّوا للأمريكيين بمسؤوليتهم دون أن تواجه إسرائيل أي عواقب دبلوماسية.
وفي بريطانيا وفرنسا وألمانيا أيضًا، يظهر تفهم ضمني للتحركات الإسرائيلية. فهذه الدول وإن كانت تفضّل الطرق الدبلوماسية مع طهران، لكنها تشارك إسرائيل الشكوك حيال نوايا إيران النووية وتعتبر إضعاف برنامجها بالصمت على العمليات التخريبية مصلحة غربية كذلك.
بعض التقارير أشارت إلى تعاون بريطاني-إسرائيلي في مراقبة نشاطات إيرانية على الأراضي القبرصية والأوروبية، وإحباط مخططات إيرانية ضد إسرائيليين .
أضف إلى ذلك أنّ العقوبات الدولية على إيران منذ سنوات جعلت الحصول على قطع غيار معينة مهمة شبه مستحيلة، ما دفع طهران للجوء إلى سوق سوداء تُسهّل اختراقها من قبل أجهزة غربية وإسرائيلية تزودها أحيانًا بمعدات معطوبة أو مفخخة. وقد كشفت طهران في أغسطس 2023 أنها أحبطت محاولة تخريب ضخمة بإدخال أجزاء إلكترونية معيوبة ومفخخة إلى خطوط إنتاج الصواريخ والطائرات المسيرة، واتهمت مباشرةً الموساد بالوقوف وراء المخطط بالتعاون مع شبكة دولية .
مثل هذه المخططات لا يمكن للموساد تنفيذها دون تغطية من شركات غربية أو وسطاء في أوروبا وآسيا يوفرون القطع المغشوشة ضمن صفقات ظاهرها تجاري. ولولا دعم استخباراتي أو تساهل من أجهزة غربية لما تمكن الموساد من امتلاك هذه الأذرع الطويلة داخل سلاسل الإمداد العالمية التي تصل في النهاية إلى إيران.
كما يتجلى الدعم الغربي في الحماية السياسية لإسرائيل إزاء أي رد فعل دولي. فحين تقوم إسرائيل بعمليات داخل إيران، نرى واشنطن وعواصم أوروبا تلتزم الصمت أو تكتفي بتصريحات باهتة تحث على ضبط النفس من جميع الأطراف، من دون إدانة صريحة. هذا المناخ شجّع إسرائيل على المضي قدمًا؛ فهي تعلم أن المجتمع الدولي (خصوصًا الغرب) يعتبر استهداف إيران أمنياً مقبولًا ضمنيًا لكبح طموحاتها الإقليمية والنووية. وفي المحافل الدولية، استخدمت واشنطن نفوذها لحماية إسرائيل من أي مساءلة حول خروقات سيادة إيران، الأمر الذي منح الموساد مزيدًا من الجرأة للعمل في الخفاء.
إجمالًا، تتكامل الأدوار: الموساد يخطط ويشغّل شبكاته، والحلفاء الإقليميون يوفّرون الأرضية والممرات، والعملاء المحليون ينفّذون على الأرض، والغرب يؤمّن الغطاء المعلوماتي والسياسي. هكذا أصبحت الساحة الإيرانية مسرحًا مفتوحًا لعملية تكسير العظام بالخفاء بين إسرائيل وتحالف غير معلن من خصوم إيران، حيث لاعبو الكواليس كُثر وليس الموساد إلا المدير والمنسق.
لماذا هذا الهامش الواسع؟ الأهداف السياسية خلف الاختراقات
على الجانب الإيراني، يمكن القول إن أزمات النظام الداخلية ساهمت أيضًا في تمكين اختراقات الموساد. فحالة السخط الشعبي والاحتجاجات (لا سيما احتجاجات 2019 و2022)، والانقسامات السياسية بين التيارات المحافظة والإصلاحية، أضعفت التركيز الأمني الداخلي.
وحتى أجهزة الاستخبارات الإيرانية نفسها عانت من منافسات بين وزارة الأمن واستخبارات الحرس الثوري، وربما تسللت إليها عناصر مزدوجة . وقد أقر مسؤولون إيرانيون بتقصير أمني؛ فوزير الاستخبارات السابق علي يونسي انتقد بشدة انشغال النظام بمطاردة المعارضين المحليين وغض النظر عن اختراق الجواسيس الأجانب .
هذا الخلل الداخلي وفّر ثغرات استثمرها الموساد بلا شك. فحين يكون المسؤول الأمني الإيراني منشغلاً باعتقال طلاب وصحفيين، قد يغفل عن مراقبة المهندس الذي يغتال في مختبره بمادة سامة أو الثغرة الإلكترونية في بوابات منشأة نووية.
في المقابل تسعى إسرائيل عبر هذه العمليات إلى إرسال رسائل ردع لكل دول وشعوب المنطقة. بإظهار نفسها كيانا خارقا لا يُقهر، فعندما تغتال إسرائيل شخصية مثل إسماعيل هنية (رئيس المكتب السياسي لحماس) خلال زيارته لطهران – في يوليو 2024 – فهي توجه تحذيرًا شديدًا لحلفاء إيران الإقليميين بأن يد إسرائيل طويلة وستطالهم حتى تحت حماية طهران، وهي عملية كغيرها لها مغزى دعائي يخدم إسرائيل في رسم صورة قوة لا يحدها شيء: “نستطيع الوصول لأي مكان، فاحذروا”.
هذه الصورة الدعائية مهمة أيضًا داخليًا في إسرائيل لإقناع الجمهور بفعالية قيادة بلاده الأمنية، وصرف الأنظار عن إخفاقات أخرى أكيدة (كما حدث في السابع من أكتوبر) والذي أثبت للعالم أن الموساد وكل الأجهزة الأمنية الإسرائيلية هي كيانات هشة سهلة الخداع ممكنة القهر، وعلى كل مالديها فهي قوة فاشلة إذا ما وضعت في اختبار حقيقي، وهي عقدة تاريخية ستعمل اسرائيل على تغييرها بكل التمثيليات الممكنة.
نحو رواية أكثر واقعية
عند إسدال الستار عن المشهد الكامل، يتضح أن أسطورة الموساد كجهاز خارق يعمل بمعزل عن الزمان والمكان هي رواية مزيفة صنعتها آلة الدعائية الإسرائيلية والغربية. فنجاحات الموساد الأخيرة داخل إيران لم تكن أبدًا معجزات فردية، بل هي حصاد تحالف واسع ضد إيران شاركت فيه أطراف عدة: من معارضين إيرانيين فقدوا ولاءهم لوطنهم وارتموا في أحضان العدو الصهيوني، إلى أنظمة جوار فضّلت التطبيع والمصالح مع إسرائيل على حساب التضامن الإسلامي، وصولًا إلى قوى كبرى رأت في ضرب إيران بالوكالة مصلحة لها. لقد عمل الموساد من الداخل الإيراني بواجهات محلية وبدعم لوجستي إقليمي وتمويل وتسليح غربي، مما مكّنه من اختراق ما كان يبدو حصنًا منيعًا. هذه الحقيقة تنتقص كثيرًا من الهالة الأسطورية حول الجهاز، وتعيد الفضل إلى أصحابه الفعليين: شبكة التطبيع والتآمر الإقليمية والدولية التي تكاتفت للنيل من إيران.
بالطبع لا ننكر أن لدى الموساد قدرات تقنية وبشرية عالية واستغلالًا ماهرًا للمعلومات، لكن تلك القدرات ما كانت لتثمر في أي مكان ولا في طهران وأصفهان لولا خيانة الخائنين في الداخل وتآمر المتواطئين في الخارج. وعليه، فإن تصوير إنجازات الموساد وكأنها انتصار لدهاء إسرائيلي صرف يغفل الدور القذر الذي لعبته أطراف تابعة في تمكين العدو الصهيوني.
كما يتناسى أن إيران وهي محاصرة ومعاقبة لعقود، تواجه ليس إسرائيل وحدها بل شبكة واسعة تمتد من واشنطن إلى باكو وأبوظبي. هذا الإدراك مهم لفهم حقيقة الصراع الدائر: إنه ليس بين موساد ووزارة أمن إيرانية فحسب، بل بين معسكر تطبيع وعداء للشعوب تقوده إسرائيل ويضم أنظمة عربية وإقليمية في مواجهة دولة إقليمية ترفض الخضوع لإملاءات الاحتلال.
وبالطبع لقد خسرت إيران كثيرا باختيارها المعسكر الخطأ وعلى رأس أخطائها دعمها اللامحدود للنظام السوري المجرم الذي سعى لإبادة شعبه بدعم إيراني غير محدود، والذي لم يصب النظام الإيراني من دعمه إلا الخسارة على كل المستويات.
لقد حاول الإعلام المعادي تضخيم هيبة الموساد للتأثير على معنويات شعوب المنطقة وإيصال رسالة مفادها أن “يد إسرائيل الطويلة تطال الجميع ولا رادع لها”. إلا أن تفكيك هذه العمليات يكشف أن تلك اليد ليست سوى أصابع متعددة الجنسيات، بعضها إيراني وبعضها عربي وبعضها غربي، اجتمعت لتشكل قبضة الموساد.
وإذا كان هناك من إنجاز حقيقي للموساد، فهو نجاحه في استغلال تناقضات المنطقة وخيانة بعض أهلها لتمرير مشروعه. لكن هذا الإنجاز يحمل في طياته نقطة ضعف كبيرة: فكما بُنيت أسطورته الزائفة على تعاون الآخرين، يكفي أن ينفضّ عنه هؤلاء أو تنكشف ألاعيبه حتى يتعرى من عناصر قوته.
في الختام، يتوجب ألا ننخدع بهالة التفوق الأسطوري للموساد، فذكرى السابع من أكتوبر، وعمليات المقاومة التي هي مستمرة حتى اللحظة تحت القصف والحصار لما يقارب العامين تلغي كل ذلك بلا تفكير.